الشيخ محمد هادي معرفة

269

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إذا زال غمّه يتنفّس الصعداء ، وقد كلّ اللسان عن النطق بها . نعم يتنفّس الصبح تنفّس الأحياء ويصعد بأنفاسه ، هي أنواره نحو آفاق السماء . * وهذا هو الليل له عسعسة أي حركة إلى الوراء لها صوت « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » « 1 » أي أدبر وأخذ في التراجع إلى الوراء ، كأنّه يأخذ في الانهزام والتراجع إلى الخلف أمام هجمة أضواء النهار . انظر إلى هذين المقطعين « عس » « عس » من كلمة « عسعس » كيف يوحيان بحركة حثيثة ومنتظمة ، لها حسيس ، وكأنّه من أثر اصطكاك أرجلها الثقيلة مع الحسائك المتيبّسة ولاسيّما في مثل ظلام الليل . * ومثله « وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ » « 2 » وكأنّ الليل يولي مدبرا منهزما تجاه أسفار الصباح . ودقيقة أخرى : الفرق بين « إذ » فيالتعبيرين ، وهو توقيت دبور الليل بوقت أسفار الصباح ، وهكذا الليل لا يطيق النظر إلى وجه الصباح عند أسفاره . * وهكذا الليل يسري « وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ » « 3 » . . . يقال : سرى يسري إذا سارَ في الليل ، وهو أفضل المسير أيام القرّ ، ترافقه نفحة ونسيم . لكن في تعبير القرآن كأنّ الليل هو الساري ، وهو آن من آنات الزمان ، يتّخذ مسيره في هدوء وهينة واتّئاد ، وكأنّه ساهر يجول في ظلام ، أو مسافر يختار السري لرحتله هذه في الفضاء . ياله من إناقة في التعبير ، ورقّة ولطف ، أضف إليه جمال تناسقه ونغمه مع « وَالْفَجْرِ . وَلَيالٍ عَشْرٍ . وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ » . * وكذلك الليل يطلب النهَار طلبا حثيثا « يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً » « 4 » وكأنّهما فرسا سباق يتعاقبان ، لكن الليل سائر خلف النهار وفي أثره سيرا حثيثا سريعا لاوقفة فيه ولا فتور . وهل يطلبه ليفتك به والنهار شارد أمامه يخشى فتكه ؟ ! حتى إذا ما وقعت حبائل الليل عليه حصره وأحاطه ، وإذا الدنيا كلّها ظلام . * والجدار بنية جامدة كالجلمود ، لكنّه في تعبير القرآن صاحب حسّ وإرادة وعقل ، لأنّه يريد أن ينقضّ « فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ » . « 5 »

--> ( 1 ) - التكوير 17 : 81 . ( 2 ) - المدّثر 33 : 74 - 34 . ( 3 ) - الفجر 4 : 89 . ( 4 ) - الأعراف 54 : 7 . ( 5 ) - الكهف 77 : 18 .