الشيخ محمد هادي معرفة
265
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال : ومن محاسن التشبيه قوله تعالى : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » . « 1 » وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة . والحرث هو الأَرض التي تحرث للزرع ، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض . ومن هذا الأسلوب قوله تعالى : « وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ » « 2 » فشبّه تبرّء الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ . وذلك أنّه لمّا كانت هوادي الصبح « 3 » عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ . وكان ذلك أولى من أن لو قيل « يخرج » لأنّ السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج ، وهذا تشبيه في غاية المناسبة . وكذلك ورد قوله تعالى : « وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » « 4 » فشبّه انتشار الشيب باشتعال النار . ولمّا كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأوّل كان بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم وتسري فيه ، حتى يحيله إلى غير حاله الأوّلي . وأحسن من هذا أن يقال : إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه ، وتعذّر تلافيه ، وفي عظم الألم في القلب به ، وأنّه لم يبق بعده إلّا الخمود ! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبّه والمشبّه به ، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم . « 5 » وقيل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أفخم وأروع منه ، ومن هنا غلط بعض الكتّاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبّها له ، فقال : « هامة ، عليها من الغمامة عمامة ، وأنملة خضبها الأصيل ، فكان الهلال منها قلامة » . قال ابن الأثير ، وهذا الكاتب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء ! ! فإنّه أخطأ في قوله « أنملة » وأيّ مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل ؟ وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة ، وتشبيهها بالهلال . فإن قيل : إنّ هذا الكاتب تأسّى فيما ذكر بكلام اللّه تعالى حيث قال : « اللَّهُ نُورُ
--> ( 1 ) - البقرة 223 : 2 . ( 2 ) - يس 37 : 36 . ( 3 ) - الهوادي : المقادم . ( 4 ) - مريم 4 : 19 . ( 5 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 133 - 135 .