الشيخ محمد هادي معرفة

266

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ » ، « 1 » فمثّل نوره بطاقة فيها ذبالة . « 2 » وقال اللّه تعالى : « وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ » « 3 » فمثّل الهلال بأصل عذق النخلة . فالجواب عن ذلك أنّي أقول : أمّا تمثيل نور اللّه تعالى بمشكاة فيها مصباح ، فإنّ هذا مثال ضربه للنبيّ صلى الله عليه وآله . ويدلّ عليه أنّه قال : « يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ » وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا ، وذاك أنّ قلب النبي صلى الله عليه وآله وما القي فيه من النور ، وما هو عليه من الصفة الشفّافة ، كالزجاجة التي كأنّها كوكب بصفائها وإضاءتها . وأمّا الشجرة المباركه‌التي لا شرقية ولا غربية ، فإنّها عبارة عن ذات النبي صلى الله عليه وآله لأنّه من أرض الحجاز التي لاتميل إلى الشرق ولا إلى الغرب . وأمّا زيت هذه الزجاجة ، فإنّه مضيء من غير أن تمسّه نار ، والمراد بذلك أنّ فطرته فطرة صافية من الأكدار ، منيرة من قبل مصافحة الأنوار . فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية . وأمّا الآية الأخرى فإنّه شبّه الهلال فيها بالعرجون القديم ، وذلك في هيئة نحوله واستدارته ، لافي مقداره ، فإنّ مقدار الهلال عظيم ، ولا نسبة للعرجون إليه ، لكنّه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً لامقدارا . وأمّا هذا الكاتب فإنّ تشبيهه ليس على هذا النسق ، لأنّه شبّه فيه صورة الحصن بأنملة في المقدار لافي الهيئة والشكل . وهذا غير حَسَن ولامناسب ، وإنّما ألقاه فيه أنّه قصد الهلال والقلامة مع ذكر الأنملة فأخطأ من جهة ، وأصاب من جهة ، لكن خطأُه غطّى على صوابه . « 4 »

--> ( 1 ) - النور 35 : 24 . ( 2 ) - الطاقة : سقيفة لها طوق هلالي . والذبالة : الفتيلة . ( 3 ) - يس 39 : 36 . ( 4 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 126 - 128 .