الشيخ محمد هادي معرفة

217

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقال أبو الحسن حازم بن‌محمَّد القرطبي ( ت 684 ) - كان شيخ البلاغة والأدب وأوحد زمانه في النظم والنثر واللغة والعروض والبيان - في كتابه « منهاج البلغاء » : للناس في الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب في الكمّيّة ، وتتناسب مقاطعها على ضرب منها ، أو بالنُقلة من ضرب واقع في ضربين أو أكثر ، إلى ضرب آخر مزدوج ، في كلّ ضرب ضربٌ منها أو يزيد على الازدواج . ومن جهة ما يكون غير مقطع ، إلى مقادير تناسب أطرافها ، وتقارب ما بينها في كمّية الألفاظ والحروف ، ثلاثة مذاهب : منهم : من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف ، غير متقاربة في الطول والقصر لما فيه من التكلّف ، إلّا ما يقع به الإلمام في النادر من كلام . والثاني : أنّ التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قوالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيدٌ جدّا . والثالث - وهو الوسط - : أنّ السجع لمّا كان زينة للكلام لكنّه قد يدعو إلى التكلّف فرئي أن لا يستعمل في الكلام ، وإن لايُخلى الكلام بالجملة منه أيضا . . . ولكن يقبل من الخاطر فيه مااجتلبه عفوا ، بخلاف التكلّف . قال : وهذا - أي ترجيحه في الجملة - رأي أبي الفرج قُدامه‌بن جعفر صاحب كتاب « نقد الشعر » ( ت 337 ) . قال : وكيف يُعاب السجع على الإطلاق ، وإنّما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب ، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب . وإنّما لم يجئ على أسلوب واحد لأنّه لايحسنُ في الكلام جميعا أن يكون مستمرّا على نمط واحد ، لما فيه من التكلّف ، ولما في الطبع من الملل عليه . ولأنّ الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد . فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع ، وبعضها غير متماثل . « 1 » * * * قلت : والسجع هي مقاطع الكلام المبنية على الوقف في فواصل متقاربة . وفي القرآن

--> ( 1 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 59 - 60 .