الشيخ محمد هادي معرفة
216
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الفواصل بلا فرق . وإن كان يريد بالسجع ماتقع المعاني تابعة له ويكون من المتكلّف به فذلك عيب ، وكذلك الفواصل إذا تكلّف بها . « 1 » قال : وأظنّ أنّ الذي دعاهم إلى تسمية مقاطع الآيات في القرآن بالفواصل ، ولم يسمّوا ما تماثلت حروف أواخره سجعا ، هي رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف الذي يلتحق بالمأثور من كلام الكهنة وغيرهم ، فلم يرقهم نعت القرآن بما ينعت به كلام غيره ولاسيّما مثل كلام الكهنة المبتذلين . وهذا الغرض يعود إلى مجرّد التسمية ، وهو غرض قريب لا بأس به ، إلّا أنّ الحقيقة هي غير ذلك ، وهي كما ذكرناه ، ولايتغيّر الواقع عمّا هو عليه لمجرّد كراهة تسميته باسمه . والتحرير أنّ الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل . تُوجَد في بعضها وليست في جميعها . فإن قيل : إذا كان السجع محمودا - على ما ذكرت من الشرط - فهلّا ورد القرآن كلّه مسجوعا ؟ وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع ؟ قلنا : القرآن نزل بلغة العرب وعلى عُرفهم وعادتهم ، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كلّه مسجوعا لما فيه من أمارات التكلّف والاستكراه والتصنّع ، لاسيّما فيما يطول من الكلام . فلم يرد القرآن كلّه مسجوعا جريا منه على عُرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ، ولم يخلّ من السجع لأنّه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدّمناها . فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه . « 2 »
--> ( 1 ) - قال العلّامة جار اللّه محمود بنعمر الزمخشري ت 528 : لاتحسن المحافظة على الفواصل لمجرّدها ، إلّا مع بقاء المعاني على سدادها ، على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه كمالايحسن تخيّر الألفاظ المونقة في السمع السلسة على اللسان إلّا مع مجيئها منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة . فأمّا أن تهمل المعاني ويهتمّ بتحسين اللفظ وحده ، غير منظور فيه إلى مؤداه على بال ، فليس من البلاغة في فتيل أو نقير . ومع ذلك يكون قوله : « وبالآخرة هم يوقنون » وقوله : « وممّا رزقناهم ينفقون » لايتأتّى فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة ، لأنّ ذلك أمر لفظي لا طائل تحته ، وإنّما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص . نقلًا عن كشّافه القديم . البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 72 . ( 2 ) - سرّ الفصاحة لابن سنان ، ص 166 فما بعد ؛ والبرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 57 .