الشيخ محمد هادي معرفة
197
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الإمام الرازي في تبيين النظم القائم بين هذه الآيات الثلاث بالذات وما سبقتها من دلائل التوحيد وتشريع الأحكام ، وذكر في ذلك وجوها لا بأس بها ، وعقّبها بقوله : ومن تأمّل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ، ولعلّ الذين قالوا : إنّه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلّا أنّي رأيت جمهور المفسّرين معرضين عن هذه اللطائف ، غير منتبهين لهذه الأمور . ثمّ تمثّل بقول الشاعر : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر « 1 » والآيتان الأخيرتان منها قوله تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » . « 2 » انظر كيف تناسق البدء والختام ، وكيف تجمّعت مواضيع السورة وأهدافها ، ملخّصة في آخر بيان ، ليتأكّد أوّلها بآخرها بهذا الشكل البديع . * * * ولعلّنا في مجال آتٍ نعرض سورا أخرى تكشَّف لنا وجهُ التناسب القائم فيها في عدد آيها الخاصّ ولحنها الخاصّ إن شاء اللّه تعالى . ولا تزال المحاولات دائبة في هذا التكشّف بوجه عامّ ، نسأل اللّه التوفيق والتسديد . تناسب فواصل الآي قال الأستاذ أبو الحسن علي بنعيسى الرمّاني ( ت 386 ) : الفواصل حروف متشاكلة
--> ( 1 ) - التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 127 . ( 2 ) - البقرة 285 : 2 - 286 .