الشيخ محمد هادي معرفة

198

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

في مقاطع الآيات ، توجب حسن إفهام المعاني . والفواصل في القرآن جمال وبلاغة ، لأنّها تتّبع المعاني وتزيدها حِكمةً وبهاءً كما تكسوها رونقا ورُواءً . على خلاف أسجاع الكُهّان ، إنّها عيب وعيّ وفضول في الكلام ، لأنّ المعاني في الأسجاع هي التي تكون تابعة وليست بالمقصودة ، ومن ثمّ فهو من قلب الحكمة في باب الدلالات - حسبما يأتي - « 1 » أمّا فواصل القرآن فكلّها بلاغة وحكمة وإناقة ، لأنّها طريق إلى إفهام المعاني والإجادة في المباني . وقد بلغ القرآن فيها حدّ الإعجاز فوق الإعجاب . قال الإمام بدرالدين الزركشي : من المواضع التي يُتأكّد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام ، وهي كلمات وحروف متشاكلة في اللفظ ، فلابدّ أن تكون متناسبة مع المعنى تمام المناسبة ، وإلّا لتفكّك الكلام وخرج بعضه عن بعض . وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك ، لكنّ منه ما يظهر ، ومنه ما يستخرج بالتأمّل للّبيب . « 2 » والفواصل في القرآن - على ماحقّقه الأستاذ أبومحمّد عبدالعظيم‌بن عبد الواحد المعروف بابن أبي الإصبع ( ت 654 ) - على أربعة وجوه : 1 - التمكين ، وهو أن يمهَّد قبلها تمهيدا تأتي به الفاصلة متمكّنة في موضعها . 2 - والتصدير ، وهو أن‌يتقدّم من‌لفظها فيصدر الكلام ، ويسمّى ردّ العجز علىالصدر . 3 - والتوشيح ، وهو أن يكون سَوق الكلام بحيث يستدعي الانتهاء إلى تلك الخاتمة . 4 - والإيغال ، وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة زائدة على أصل المعنى . « 3 » وإليك شرح هذه الوجوه مع بيان أمثلتها : 1 - التمكين هو : أن يُمهَّد قبل نهاية الآية تمهيدا تأتي الفاصلة معها متمكّنة في موضعها ، مستقرّة في قرارها ، مطمئنّة في محلّها ، غير نافرة ولاقلقة ، متعلّقا معناها بمعنى الكلام كلّه تعلّقا

--> ( 1 ) - سننقل كلامه في السجع . راجع : النكت في إعجاز القرآن ، ص 97 . ( 2 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 78 . ( 3 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 39 .