الشيخ محمد هادي معرفة

148

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قالوا : إنّ مردّ هذا الإعجاز في القرآن بالدرجة الأولى هو مايستثيره في القلب من إحساس غامض لمجرّد أن تصطفّ الحروف في السمع بهذا النمط الفريد ، ذلك العزف بلا آلات وبلاقوافٍ وبلا بحور وبلا أوزان . حينما نصغي إلى ما يقوله زكريّا لربّه - فيما اقتصّ من القرآن - : « رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا » . « 1 » أو نستمع إلى كلام المسيح في المهد صبيّا : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا » . « 2 » أو تلك الجملة الموسيقية التي تتحدّث عن خشوع الرسل : « إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا » . « 3 » أو تلك النغمة الرهيبة التي تصف اللقاء باللّه يوم القيامة : « وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً » . « 4 » أو ذلك الإيقاع الرحماني الذي يخاطب اللّه به نبيّه محمَّدا صلى الله عليه وآله في موسيقى عذبة تملك شغاف القلب : « طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى . تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى . وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى » . « 5 » أمّا إذا تحوّل القرآن إلى الحديث عن المجرمين وما انزل بهم من عذاب تحوّلت الموسيقى إلى أصوات نحاسية تصكّ الاذن وتحوّلت الكلمة إلى جلاميد صخر وكأنّها

--> ( 1 ) - مريم 4 : 19 . ( 2 ) - مريم 30 : 19 - 31 . ( 3 ) - مريم 58 : 19 . ( 4 ) - طه 111 : 20 . ( 5 ) - طه 1 : 20 - 8 .