الشيخ محمد هادي معرفة
147
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
واستثارة الوجد النفسي . ومن هذه الجهة تراه يغلب على طبع كلّ عربيّ أو عجميّ . وبذلك يؤوّل ما ورد من الحثّ على تحسين الصوت عند قراءة القرآن . وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلّا صورا تامّة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى ، وهي متّفقة مع آياتها في قرارات الصوت اتّفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت ، والوجه الذي يساق عليه ، بما ليس وراءه من العجب مذهب . وتراها أكثر ماتنتهي بالنون والميم ، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها . أو المدّ ، وهو كذلك طبيعيّ في القرآن . « 1 » وقال بعض أهل الفنّ : كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ واللين وإلحاق النون ، وحكمة وجودها التمكّن من التطريب بذلك ، كما قال سيبويه : إنّهم - أي العرب - إذا ترنّموا يلحقون الألف والياء والنون ، لأنّهم أرادوا مدّ الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنّموا . وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع . فإن لم تنته بواحدة من هذه - كأن انتهت بسكون حرف - كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها ، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه . وأكثر ما يكون في الجمل القصار ، ولا يكون إلّا بحرف قويّ يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما ممّا هو موصوف بضروب أخرى من النظم الموسيقي . وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعيّ في كلّ نفس ، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس ، سواء كانت تفهمه أو لاتفهمه . فقد تألّفت كلماته من حروف ، لوسقط واحد منها أو ابدل بغيره أو اقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللًا بيّنا ، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وفي جرس النغمة ، وفي حسّ السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج ، وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض . ولرأيت لذلك هجنة في السمع .
--> ( 1 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 188 و 216 .