الشيخ محمد هادي معرفة

142

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

في لحن متنوّع ونغم متجدّد ، ينتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل . « 1 » على أوضاع مختلفة ، يأخذ منها كلّ وتر من أوتار القلب نصيبه بسواء فلا يعرو الإنسان على كثرة ترداده ملال أو سأم ، بل لا يفتأ يطلب منه المزيد . وأحيانا كانت العرب تعمد إلى ما يقرب من هذا النحو من التنظيم الصوتي في أشعارها لكنّها كانت تذهب مذهب الإسراف والاستهواء المملّ في الأغلب ، ولا سيما عند التكرير . أمّا في منثور كلامها ، سواء المرسل منه أو المسجوع فلم تكن عَهِدته قطّ ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة والمرونة والعذوبة التي في القرآن الكريم . بل ربما كان يقع لها في أجود منثورها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه ، بما لا يمكن معها من إجادة ترتيله ، إلّا بتعمّل يبدو عليه أثر التكلّف والتعسّف ، الأمر الذي كان يحطّ من شأن الكلام . فلا عجب إذا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن - في خيال العرب - أنّه شعر ، وإذا لم يكن بشعر فهو سحر . وهذا يكشف عن مدى بهر العرب وحيرتهم تجاه هذا النوع من الكلام المنضّد البديع ، كان له من النثر جلاله وروعته ، ومن الشعر جماله ومتعته ! ! قال الأستاذ دراز : ويجد الإنسان لذّة بل وتعتريه نشوة إذا ماطرق سمعه جواهر حروف القرآن ، خارجة من مخارجها الشحيحة ، من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها : هذا ينقر ، وذاك يصفر ، وثالث يهمس ، ورابع يجهر ، وآخر ينزلق عليه النَفَس ، وآخر يحتبس عنده النَفَس . فترى الجمال النغمي ماثلًا بين يديك في مجموعة مختلفة ولكنّها مؤتلفة لاكركرة ولاثرثرة ، ولا رخاوة ولامعاظلة ، ولاتناكر ولا تنافر ، وهكذا ترى كلاما ليس بالبدويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر . بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك ورقّة هذا ، مزيجا كأنّه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين . نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي ، وليس الشأن في هذا الغلاف

--> ( 1 ) - من مصطلحات الأفنان الموسيقية : « الحرف المتحرّك إذا تلاه حرف ساكن ، يقال له : سببٌ خفيف . والحرفان المتحرّكان لايتلوهما ساكن : سببٌ ثقيل . والمتحرّكان يتلوهما ساكن : وتدٌ مجموع . وإذا توسّطهما ساكن : وتدٌ مفروق . وثلاثة أحرف متحرّكة : فاصلة صغيرة . وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن : فاصلةٌ كبيرة » وهكذا . . . النبأ العظيم ، ص 95 . ولعلّ القارئ النبيه يعذرنا في الاقتصار على النقل هنا بعد أن كان موضوع البحث من الفنون الخارجة عن اختصاصنا !