الشيخ محمد هادي معرفة

143

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إلّا كشأن الأصداف ، تتضمّن لآلي نفيسة ، وتحتضن جواهر ثمينة ، فإن لم يُلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفن ، ولم ت - حجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون ، فَفَليْتَ القشرة عن لبّها ، وكشفت الصدفة عن درّها ، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنوية ، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر ، ولقيت منه ما هو أبدع وأروع . تلك روح القرآن وحقيقته ، وجذوة موسى التي جذبته إلى نار الشجرة في شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة ، فهناك نسمة الروح القدسية : « إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » . « 1 » وذكر سيّد قطب عن الإيقاع الموسيقي في القرآن أنّه من إشعاع نظمه الخاصّ ، وتابع لانسجام الحروف في الكلمة ، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة ، وبذلك قد جمع القرآن بين مزايا النثر وخصائص الشعر معا ، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة ، فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة ، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقي الداخلية ، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل والتقفية التي تغني عن القوافي ، فشأنه شأن النثر والنظم جميعا . وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه ، يبرز بروزا واضحا في السور القصار ، والفواصل السريعة ، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامّة ، يتوارى قليلًا أو كثيرا في السور الطوال ، لكنّه على كلّ حال ملحوظ دائما في بناء النظم القرآني . ثمّ أخذ في ضرب المثال ، قال : وها نحن أولاء نتلو سورة النجم مثلًا : « وَالنَّجْمِ إِذا هَوى . ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى . ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى . فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى . ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى . أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى .

--> ( 1 ) - القصص 30 : 28 . راجع : النبأ العظيم ، ص 94 - 99 .