الشيخ محمد هادي معرفة
124
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
خروج . فالحرف المتولّد من الإشباع : « خروج » وحركة هاء الوصل : « نفاذ » . « 1 » ثمّ إنّ القرآن ، وإن استعمل « الرويّ » في فواصل آية ، لكنّه لم يلتزم بشروط القافية ، فكان إلى التسجيع الرصين أقرب منه إلى تقفية الشعر ، ولذلك اصطلحوا على تسمية ذلك بالفاصلة فرقا بينها وبين القافية المصطلحة . كما أنّه لم ينظّم شيئا من جمله وتراكيبه الكلامية على أوزان الشعر وبحوره ، لافي الأصول ولا في فروعها ، ومن ثمّ فهو أبعد ما يكون شعرا « وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ » « 2 » . . . وكما شهد بذلك فصحاء العرب الأوّلون ، حسبما مرّ من كلام الوليد وشهادة أنيس بن جنادة وغيرهما من الأفذاذ . * * * قال أبو الحسن علي بنعيسى الرّمّاني ( 296 - 386 ) : وأمّا نقض العادة ، فإنّ العادة جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة ، منها الشعر ، ومنها السجع ، ومنها الخطب ، ومنها الرسائل ، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث . فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة ، لها منزلةٌ في الحسن تفوق كلّ طريقة . « 3 » وقال الباقلّاني : قد علمنا أنّ كلام العرب ينقسم إلى نثر ، ونظم ، وكلام مقفّى غير موزون ، وكلام موزون غير مقفّى ، ونظم ليس بمقفّى كالخطب والسجع ، ونظم مقفّى موزون له رويّ - إلى أن يقول : - على أن الآية في القرآن ، أنّه نزل بلسان العرب وكلامهم ، ومنظوم على وزن يفارق سائر أوزان كلامهم . ولو كان من بعض النظوم التي يعرفونها لعلموا أنّه شعر أو خطابة أو رجز أو طويل أو مزدوج ، غير أنّ ناظمه قد برع وتقدّم فيه . . . وليس يخرج الحذق في الصنعة إلى أن يؤتى بغير جنسها ، وماليس منها في شيء ، وما لا يعرفه أهلها . « 4 » قلت : وهذا يعني أنّ الكلام إمّا موزون متكامل الوزن ، مع تعادل الأجزاء ، والتزام
--> ( 1 ) - مفتاح العلوم ، ص 270 - 272 . ( 2 ) - يس 69 : 36 . ( 3 ) - النكت في إعجاز القرآن ، ص 111 . ( 4 ) - راجع : التمهيد للباقلاني ، ص 121 ؛ والإعجاز له ، ص 94 - 95 .