الشيخ محمد هادي معرفة
125
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
التقفية على أصولها المقررة . فهذا هو الشعر ، بأعاريضه المختلفة ، وبحوره المتعدّدة ، وأوزانه المعروفة . وهذا جنس من الكلام أو قالب لفظيّ معهود . وإمّا هو طليق من جميع قيود الشعر والتزاماته ، لاوزن ولاتعادل بين جمله وتراكيبه ، ولاتقفية ولاشبه التقفية . وهذا هو الكلام المرسل الذي لايستهدف منشئه إلّا مجرّد الإصابة والإفادة ، مهما كان نمط الكلام ، من غير قصد إلى تحليته بوزن أو الالتزام بقافية . فهذا جنس آخر يقابل الجنس الأوّل ، بينما الأول متقيّد بقيود لفظية . نجد في هذا انطلاقا حرّا وتحلّلًا من جميع القيود والالتزامات . وهناك كلام فيه بعض الالتزامات ، إمّا فيه شيء من التعادل بين تعابيره ، أو تقفية غير متقيّدة برويّ خاصّ حتى نهاية الكلام . وهذا يشمل الخطب والرسائل وبعض الأسجاع من النمط العالي . والجديد في القرآن أنّه لم يلتزم بشروط الشعر كاملة ، ولا أرسل في بياناته إرسالًا غير متقيّد بشيء إطلاقا ، ولا كان على نمط الكتب والرسائل ، ولا الخطب والمقالات التي يتعاهدها أرباب القلم والبيان ، ولا كان فيه تكلّف سجع الكهّان وهذرهم في سرد ألفاظ وتعابير نابية عن مواضعها ، غير متلائمة مع فحوى الكلام . وليس معنى ذلك أنّ القرآن ابتعد عن جميع أساليب الكلام المعروفة عند العرب ، ليكون غير مألوف بتاتا . بل أتى بأسلوب جامع لمحاسن الكلام من غير كلفة ، واتّخذ طريقة في الإفادة والإيفاء لم تشذّ عن الطرائق المعهودة ، غير أنّه سلك من كلّ نوع أفضله ، وأخذ من كلّ فضيلة أشرفها ، فكانت فيه خاصّية جميع أنواع الكلام ، من شعر موزون ، ونثر منطلق ، وسجع رصين . فجاء نمطا جامعا لمزايا أنواع الكلام ، من غير أن يكون أحدها . الأمر الذي عجز عنه الأوائل والأواخر سواء . * * * ومن ثمّ فالقرآن نمط من الكلام ، بديعٌ في سبكه وعجيبٌ في أسلوبه ، لكنّه من جنس الكلام المألوف وإن كان بارعا في نظمه ورصفه :