الشيخ محمد هادي معرفة
67
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عالم لا بعلم كما قالوا : متكلّم لا بكلام . وهذا معنى نفي الصفات عند المعتزلة ، وقد أثبتها الأشاعرة . فقالوا : عالم بعلم ، متكلّم بكلام ، حسبما تقدّم . فوصفه تعالى بأنّه عالم - عند المعتزلة - يعني : أنّه لا يجهل ، ولا يحتجب عنه شيء . ووصفه بأنّه قادر ، يعني : أنّه لايَعجز ، ولا يُعجزه شيء . لا أنّ صفة العلم أو صفة القدرة قائمة بذاته ، كما في المخلوقين . ومن ثمّ قالوا : « خذ الغايات واترك المبادئ » . فإنّ الغاية من العلم هو الانكشاف ورفع الحجاب عن المعلوم . وهذا شيء يقولونه بشأنه تعالى ، أمّا إنّه متّصف بمبادئ هذه النعوت فلا . ففي صفات الذات قالوا : إنّه تعالى عالم لا بعلم بل بنفسه ، قادر لا بقدرة بل بنفسه ، وفي صفات الفعل قالوا : متكلّم لا بكلام بل بخلقه الكلام ، ومن ثمّ قالوا : إنّ كلام اللّه مخلوق . وزعمت الأشعرية أنّ ذاته المقدّسة متّصفة بمبادئ هذه النعوت ، كما في المخلوقين ، لكن لا على نحو اتّصافهم بها ، فخبطوا وخلطوا ، ولم يحقّقوا من واقع مذهبهم في ذلك : ماذا أرادوا ؟ قال القاضي : « ثمّ نبغ الأشعري ، وأطلق القول بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة ، لوقاحته وقلّة مبالاته بالإسلام والمسلمين » . « 1 » واتفقت « المعتزلة » - أيضا - على أنّ العبد قادر مختار في أفعاله ، خيرها وشرّها ، وهو الذي يستحقّ - على ما يفعله - المدح والثواب ، أو الذمّ والعقاب ، وأنّ الربّ تعالى منزّه أن يضاف إليه شرّ أو ظلم وفعل الكفر والمعصية . وهذه الطريقة سمّيت بالاستطاعة ، وسمّاهم الأشعرية لذلك « قدرية » . واتّفقوا على أنّ الربّ تعالى لا يفعل إلّا الصلاح والخير ، وأنّه يجب عليه تعالى - بمقتضى حكمته - رعاية مصالح العباد ، وهو الذي يعبّر عنه بقاعدة اللطف . وسمّيت هذه الطريقة بالعدل . ويعبّر عن المعتزلة بالعدلية لذلك .
--> ( 1 ) - المصدر ، ص 183 .