الشيخ محمد هادي معرفة
66
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الجهات ، وليس بمحدود ، ولا والد ولا مولود ، ولا تحيط به الأقدار ، ولا تحجبه الأستار ، ولا تدركه الحواس ، ولا يقاس بالناس ، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ، ولا تجري عليه الآفات ، ولا تحل به العاهات ، وكلّ ما خطر بالبال ، وتصوّر بالوهم فغير مشبه له ، لم يزل أوّلًا ، سابقا ، متقدّما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ، ولم يزل عالما قادرا حيا ، ولا يزال كذلك . لا تراه العيون ، ولا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأوهام ، ولا يسمع بالأسماع . شيء لا كالأشياء ، عالم قادر حيّ لا كالعلماء القادرين الأحياء . وأنّه القديم وحده ، ولا قديم غيره ، ولا إله سواه ولا شريك له في ملكه ، ولا وزير له في سلطانه ، ولا معين على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق ، لم يخلق الخلق على مثال سبق ، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ، ولا بأصعب عليه منه ، لا يجوز عليه اجترار المنافع ، ولا تلحقه المضارّ ، ولا يناله السرور واللذّات ، ولا يصل إليه الأذى والآلام ، ليس بذي غاية فيتناهى ، ولا يجوز عليه الفناء ، ولا يلحقه العجز والنقص . تقدّس عن ملامسة النساء ، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء » . قال : فهذه جملة قولهم في التوحيد . « 1 » وعقد القاضي فصولًا في أنّه تعالى عالم لا بعلم ، قادر لا بقدرة ، حيّ لا بحياة ، أي إنّه تعالى إذا وصف بأنّه عالم ، لا يقصد من ذلك أنّ ذاته المقدّسة قد أضيف عليها هذه الصفات فصارت كذلك ، إذ ذلك يستدعي أحد أمور وكلّها باطلة ، أمّا أنّها أيضا قديمة مقرونة بذاته المقدّسة ، فيلزم تعدّد القديم تعالى ، أو أنّها حدثت على ذاته المقدّسة ، فيلزم أن يكون ذاته المقدّسة محلًاّ للحوادث ، كما يلزم خلوّه تعالى عن هذه الصفات قبل عروضها ، وهو أيضا باطل . « 2 » وقد اصطلحت الأشاعرة على تسمية مبادئ صفات الذات بالمعاني ومبادئ صفات الفعل بالأحوال . فأنكرت المعتزلة اقتران ذاته المقدّسة لا بالمعاني ولا بالأحوال ، فقالوا :
--> ( 1 ) - مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 234 - 235 . ( 2 ) - راجع : شرح الأُصول الخمسة ، من ص 182 فما بعد .