الشيخ محمد هادي معرفة

148

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والإرادة التكوينية لاتتخلّف عن تحقّق المراد ، ما أراد اللّه كان وما لم يرد لم يكن ، « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » بل لا حاجة إلى قوله « كُنْ » . وإنّما هي تقدير ، وبعبارة فنّية : إنّ نفس إرادته تعالى لتكوين شيء كافية في تحقّقه وجودا ، والأمر في قوله « كُنْ » أمر تكويني أيضا ، حيث إرادته تعالى هو فعله . قال الشيخ أبوعبداللّه المفيد : إنّ إرادة اللّه تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله ، وإرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال ، وبهذا جاءت الآثار عن أئمّة الهدى من آل محمّد صلى الله عليه وآله وهو مذهب سائر الإمامية إلّا من شذّ منها عن قرب « 2 » وفارق ما كان عليه الأسلاف . وإليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة وأبو القاسم البلخي خاصّة وجماعة من المرجئة . « 3 » وروى ثقة الإسلام الكليني عن صفوان بن‌يحيى ، قال : قلت لأبي الحسن ( الإمام الرضا عليه السلام ) : أخبرني عن الإرادة من اللّه ومنالخلق ؟ قال : فقال عليه السلام : « الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل . وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لاغير ذلك ، لأنّه

--> ( 1 ) - النحل 40 : 16 . ( 2 ) - شاع تفسير الإرادة بالعلم بالمصلحة الداعية ، في عصر متأخّر عن الشيخ المفيد ، ومن ثَمَّ اعتبروا الإرادة صفة ذاتية ، ولم يعتبروها من صفات الأفعال . راجع : تجريد الاعتقاد ، بحث الإلهيات - المسألة الرابعة - ، ص 159 ؛ وشرح الباب الحادي عشر للفاضل المقداد في الصفة الرابعة ، اختار مذهب الحسن البصري قال : هي عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعي إلى إيجاده ، ص 26 . ومن ثم قال العلامة المجلسي في ذيل الرواية : اعلم أنّ إرادة اللّه تعالى - كما ذهب إليه أكثر متكلّمي الإمامية - هي العلم بالخير والنفع وما هو الأصلح ، ولا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئا . بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 137 . واعترض عليه السيد الطباطبائي في الهامش ، بأنّ الذي ذكروه إنّما هو في الإرادة الذاتية ، التي هي عين الذات - إن صحّ تصويرهم لذلك - وأمّا الإرادة التي جاءت في الأخبار فهي الإرادة التي هي من الصفات الفعلية كالخلق والرزق ، وهي نفس الموجود الخارجي من زيد وعمرو والسماء والأرض ، كما ذكره شيخنا المفيد رحمه الله . قلت : اتّفق علماؤنا - الإمامية - في هذا العصر المتأخّر ، على أنّ الإرادة - فيه تعالى - من صفات الفعل ، كما كانت عليه علماؤنا السلف ، وجاء في روايات أهل البيت عليهم السلام وشطبوا على ما ذكره لفيف من المتكلّمين في العصور الوسطى ، بعد أن وضح لديهم أنّ الإرادة فعل النفس في غيره تعالى ، فتكون فيه تعالى فعله خارجا وإحداثه كما في نصّ الخبر . وقد عرضت على سيّدنا الأُستاذ الإمام الخوئي قدس‌سره تجديد النظر في البحوث الكلامية التّي صيغت على نهج المتكلّمين في العصور الوسطى ، في صيغة حديثة تتوافق مع ما تجدّد من أنظار ، وعادت سليمة طبق آراء السلف المستفادة من نصوص أهل البيت عليهم‌السلام ، فوعد قدس‌سره بالإنجاز ، وراجع بالخصوص : محاضرات في أصول الفقه ، ج 2 ، ص 34 - 43 . ( 3 ) - أوائل المقالات للشيخ المفيد ، ص 19 .