الشيخ محمد هادي معرفة

130

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الذوق الأشعري لا يرى سوى الجمود على ظاهر التعبير ، بعيدا عن ذوق العرب الرقيق . وفي سورة آل عمران : « لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » . « 1 » تعبير آخر عمّا جاء في سورة المائدة ، والقرآن يفسّر بعضه بعضا . وقوله تعالى : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » . « 2 » وقوله : « وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . « 3 » أي في ملكه وتحت اختياره ، ومن ثمّ عقّبه بإيتاء من يشاء دليلًا على إرادة هذا المعنى ، إذ ليس الفضل شيئا ملموسا قابلًا للإمساك باليد . وكذا قوله : « فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . « 4 » وقوله : « تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . « 5 » عبارة أُخرى عن قوله : « قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . « 6 » يكون المقصود استقلاله تعالى بملكوت كلّ شيء « وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » . « 7 » أي يمنع من يشاء ويعطي من يشاء لايزاحمه في ملكه أحد وهو اللّه الواحد القهّار . وقوله تعالى : « ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » « 8 » كناية عن مزيد عناية بشأن الإنسان ، خلقه تعالى بلاتوسيط سبب كما في سائر المخلوقات . وهكذا قوله : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ » « 9 » كناية عن تفرّده تعالى بخلقهنّ لم يشركه أحد في الخلق ، يعني أنّهن مصنوعات للّه تعالى ، وهم يتصرّفون فيها تصرّف المُلّاك كأنّها مصنوعات أنفسهم ، فبدلًا من الشكر يكفرون . وقوله تعالى : « وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ » « 10 » أي بقوّة وإحكام ، كما في قوله :

--> ( 1 ) - آل‌عمران 181 : 3 . ( 2 ) - آل‌عمران 73 : 3 . ( 3 ) - الحديد 29 : 57 . ( 4 ) - يس 83 : 36 . ( 5 ) - الملك 1 : 67 . ( 6 ) - آل‌عمران 26 : 3 . ( 7 ) - المؤمنون 88 : 23 . ( 8 ) - ص 75 : 38 . ( 9 ) - يس 71 : 36 . ( 10 ) - الذاريات 47 : 51 .