الشيخ محمد هادي معرفة
52
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قلت : لاشكّ أنّه كذلك ، ولعلّ الكواشي لم يعرف أن لم يثبت لابن عامر شيخ معروف . . . ثمّ من أين عرف أنّ الفقهاء يقرأون بقراءته ولو كانت باطلة في القياس وعلى خلاف قراءة جمهور المسلمين ؟ وأمّا تعيينه أحد السبعة فهو من فعل ابن مجاهد - كما عرفت - وبضغط من السلطة القائمة حينذاك ، على غرار حصر المذاهب في الأربعة . وقد أنكر علماء الأمصار على ابن مجاهد فعله هذا . كما أسلفنا . والأغرب الأعجب ما تسفّه به أبو حيان الغرناطي هنا ، جعل يسفسف القول ويلوك في فمه كلاما لم يصدر عن تعقّل قطّ . انظر إلى هذره : وأعجب لعجمي ضعيف في النحو ، يردّ على عربي صريح محض ، قراءة متواترة ، موجود نظيرها في لسان العرب في غير ما بيت وأعجب لسوء ظنّ هذا الرجل بالقرّاء الأئمّة الذين تخيّرتهم هذه الأُمّة لنقل كتاب اللّه شرقا وغربا ، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم ، لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم . ثمّ حاول توجيه القراءة بما يبدو عليه التعسّف والتمحّل الباهت ، قال : وهي - أي الفصل بين المتضايفين - مسألة مختلف في جوازها ، فجمهور البصريين يمنعونها متقدّموهم ومتأخّروهم ولايجيزون ذلك إلّا في ضرورة الشعر . وبعض النحويّين أجازها ، وهو الصحيح ، لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربيّ الصريح المحض ابن عامر الآخذ القرآن عن عثمان بن عفّان قبل أن يظهر اللحن في لسان العرب . « 1 » قلت : أوّلًا : لم يثبت لابن عامر نسب معروف . قال الذهبيّ : وكان يغمز في نسبه . . . ولمّا استخلف سليمان بن عبد الملك أمر المهاجر بن أبي المهاجر أن يدخل مسجد دمشق ويقف خلف موضع الإمام ، فإذا تقدّم ابن عامر ، فليأخذ بثيابه ويجذبه ، وليقل له : تأخّر ، فلن يتقدّم منّا دعيٌّ . « 2 » أمّا إسناده فقد ذكر ابن الجزري تسعة أقوال كلّها واهٍ ساقط لا أصل له ، ويرجّح أنّه قرأ
--> ( 1 ) - البحر المحيط ، ج 4 ، ص 229 - 230 . ( 2 ) - معرفة القرّاء الكبار ، ج 1 ، ص 69 .