الشيخ محمد هادي معرفة

328

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وظلم ، وهذا المعنى لا يقبل نسخا أبدا . فلعلّ المقطع الثاني - أيضا - يعني من أسلم من المشركين ، فيجب أن يتناسى المسلمون وشائج العداء القديم التي فتّها الإسلام ، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، والمسلمون جميعا إخوان على صعيد الإيمان وهذا نظير قوله تعالى بعد خمس آيات : « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ » . روي : أنّها نزلت بعد فتح مكة ، أمر اللّه المسلمين أن لايكافئوا أهل مكّة بما سلف منهم . وفي رواية أهل البيت عليهم السلام أنّ سورة المائدة هي آخر السور نزولًا . وأنّ ما فيها من أحكام كلّها محكمة وناسخة لما قبلها ، وليس فيها حكم منسوخ ، إذ لم ينزل بعدها سورة . قال عليّ عليه السلام : كان القرآن ينسخ بعضه بعضا ، وإنّما كان يؤخذ من أمر رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله بآخره . فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة ، فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء . . . فعمل رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله وعملنا . « 1 » 55 ( 2 ) - « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ » « 2 » بشأن اليهود . نسختها : « قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ » « 3 » وقد تقدّم ذلك . وقال الجبائي : نسختها : « وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ » « 4 » لكن سورة الأنفال ثانية سورة نزلت بالمدينة . والمائدة من آخر ما نزل . فكيف تكون آية من تلك ناسخة لهذه ؟ - هذا على تقدير صحّة روايات الترتيب - أو لعلّ هذه الآيات من المائدة نزلت قبل ثمّ سجّلت في سورتها . وهذا أيضا محتمل . 56 ( 3 ) - « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا » . « 5 »

--> ( 1 ) - المصدر ، ص 288 . ( 2 ) - المائدة 13 : 5 . ( 3 ) - التوبة 29 : 9 . ( 4 ) - الأنفال 58 : 8 . راجع : مجمع البيان ، ج 3 ، ص 173 . ( 5 ) - المائدة 33 : 5 .