الشيخ محمد هادي معرفة
327
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
من سورة المائدة - تسع آيات 54 ( 1 ) - « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ . وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً . . . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » . « 1 » قال أكثر المفسّرين : إنّها منسوخة بآية السيف وبآية « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » . « 2 » وقال قوم : إنّها لم تنسخ . وهو المروي عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام . « 3 » قلت : أمّا المقطع الأوّل من الآية إلى قوله : « وَرِضْواناً » فلا يعقل نسخها ، بعد أن كان حكما ثابتا في الشريعة لا يزال . فلا تحلّ شعائر اللّه أبدا ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد . ولايمسّ القاصدون لبيت اللّه بسوء أبدا . لاسيّما وهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا ، ولاشكّ أنّهم بهذه السمة مسلمون مُؤمنون ، فيجب أن يكونوا آمنين ، حكما إسلاميا مع الأبد . وأمّا المقطع الثاني فظاهر الآية البدائي أنّ المقصود بالقوم هم المشركون ، فقد أمر المسلمون أن لايتعرّضوا لهم ولا يمنعوهم عن المسجد الحرام ، ولايقوموا بعمليّة الانتقام والمقابلة بالمثل إزاء صدّ المشركين بوجه المسلمين قبل ذلك . وهذا المعنى قد نسخ بآية السيف وآية « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ » . لكن نسخا على غرار ما سبق من النسخ المشروط . نعم للآية مسحة عموم : لا ينبغي للمسلم أن تأخذه حميّة جاهليّة فيتذكّر عداء قديما ويقوم بعملية انتقاميّة وهو في طريق عبادة اللّه . إذ يجب أن يتناسى حينئذ جميع ما بينه وبين ما سواه تعالى ، ويتفانى في اللّه عزّ شأنه . ومن ثمّ عبّر بقوله : « أَنْ تَعْتَدُوا » وعقّبه بكلّيّة « وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » تأكيدا على أنّ القيام بأيّ عمليّة انتقاميّة حينذاك إثم
--> ( 1 ) - المائدة 2 : 5 . ( 2 ) - التوبة 28 : 9 . راجع : مجمع البيان ، ج 3 ، ص 155 ؛ والدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 254 . ( 3 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 288 .