الشيخ محمد هادي معرفة
296
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الناكرون . والآن جاء دور عرض آيات قيل بتحقّق نسخها ، بأن رُفع حكمها وبقي نصّها ثابتا في القرآن . ودار الجدل عنيفا بين المثبتين والناكرين ، فلننظر لمن الغلب ؟ 1 - آية النجوى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ، ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . « 1 » كان المسلمون يكثرون السؤال عن مسائل غير ذوات شأن ، شاغلين أوقاته الكريمة صلى الله عليه وآله على غير طائل . فنزلت الآية بفرض صدقة درهم واحد عند كلّ مسألة ، فرضا على الأغنياء دون الفقراء . فأشفق أكثريّة الصحابة عن المسألة ، ضنا بالمال . قال المفسّرون : لم يعمل بهذه الفريضة سوى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان له دينار فباعه بعشرة دراهم وجعل يتصدّق بها واحدة واحدة إزاء كلّ مسألة حتى جاء الناسخ : « 2 » « أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ . فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » . « 3 » وأقرّ سيدنا الأُستاذ ( طاب ثراه ) نسخ فرض الصدقة في الآية الأُولى ، ولأنّه من القسم الناظر الذي ارتضاه السيّد الأستاذ . « 4 » قيل : ولعلّ حكمة هذا التشريع ثمّ نسخه فور تقاعس المسلمين عن مسائلة الرسول ، هي بيان وهن عزيمتهم حينذاك وبذلك امتحنهم اللّه ليُفيقوا عن غفوة الخمول . ومن ثَمَّ أنكر أبو مسلم أن تكون الآية منسوخة ، بعد أن كانت مؤقّته لغرض الامتحان . « وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » . « 5 » قال : وقد انتهى أمده عند حصول الغاية ، فلا يكون هذا نسخا .
--> ( 1 ) - المجادلة 12 : 58 . ( 2 ) - راجع : جامع البيان ، ج 28 ، ص 15 ؛ وتفسير البرهان ، ج 4 ، ص 309 . ( 3 ) - المجادلة 13 : 58 . ( 4 ) - راجع : البيان في تفسير القرآن ، ص 398 . ( 5 ) - آل عمران 141 : 3 .