الشيخ محمد هادي معرفة
144
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
لاشك أنّ الصحيح في مثل ذلك هي إحدى القراءتين وتكون الأُخرى باطلة لأنّ المصحف أوّل ما شكّل ونقّط كان تشكيله وتنقيطه على أحد الأمرين وهو الذي كان معروفا ومتعاهدا بين عامّة المسلمين ، ولم يكن أبو الأسود ولاتلميذاه متردّدين في وضع العلائم المذكورة ، وثبت الكلمات والحروف وفق مرتكزهم العامّ ، كما تلقّوها يدا بيد من غير ترديد أصلًا . وإنّما الاختلاف جاء من قبل اجتهاد القرّاء المتأخّرين ، شيئا خارجا عن النّص الأصل المعروف عند عامّة الناس . ومن ثمّ لمّا سأل الفضيلُ بن يسار ، الإمامَ الصادق عليه السلام عن حديث : نزل القرآن على سبعة أحرف ، قال : كذبوا - أعداءَ اللّه - ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد . ثمّ لتعيين هذا الحرف الواحد جعل الإمام عليه السلام المقياسَ معهودَ عامّة المسلمين ، قال : « اقرأ كما يقرأ الناس » . وفي رواية أُخرى : « اقرأوا كما عُلّمتم » . « 1 » فجعل المقياس « كمايقرأ الناس » أي عامّة المسلمين ، ولم يعتبر من قراءة القرّاء شيئا ، والرواية الأُخرى أصرح « كما عُلّمتم » أي تعاهدتموه جيلًا عن جيل وأُمَّة عن أُمَّة ، لاقراءة أفرادٍ هم آحادٌ . وعلى ضوء هذا المقياس ، فقراءة « ننشزها » بالزاي هي الصحيحة ، لأنّ ثبت المصحف قديما وحديثا والذي تعاهدته الأُمَّة هو بالزاي . وهكذا الصحيح « فَتَبَيَّنُوا » ، و « بَعْدَ أُمَّةٍ » ، و « فُزِّعَ » ، و « يَقُصُّ » وهكذا لنفس التعليل . والقراءة الأُخْرى ساقطة عندنا وغير جائزة إطلاقا . وكذا الصحيح - عندنا - هي قراءة حفص : « وَمَنِ اتَّبَعَنِ » « 2 » بكسر النون دليلًا على حذف الياء . دون قراءة نافع وأبي عمرو : « وَمَن اتَّبَعَني . . . » بإثبات الياء . لأنّ قراءة عاصم
--> ( 1 ) - راجع : وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 821 - 822 . وأخرجه أحمد والحاكم والطبري بسند صحيح عن علي عليه السلام وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي . المستدرك على الصحيحين ، ج 2 ، 223 - 224 . ( 2 ) - آل عمران 20 : 3 .