الشيخ محمد هادي معرفة
138
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الشيعة الإماميّة - قد أُمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس ، أي نوع المسلمين وعامّتهم » . « 1 » وكلام شيخنا الإمام البلاغي هو الحكم الفصل في هذا المضمار ، وسوف نبني عليه اختيارنا في هذا المجال . ويدلّك - أيضا - على تواتر النصّ الموجود ، من غير أن يؤثّر عليه شيء من اختلاف القراءات : تلك المخالفات في رسم الخطّ وربّما كتبت وفق قراءة العامّة وثبتت رغم تقلّبات الدهور ومرّ العصور ، فلم تغيّرها قراءة قارئ أو ريشة قلم كاتب . من ذلك قوله تعالى : « لَمْ يَتَسَنَّهْ » « 2 » الهاء زائدة للوقف . كتبت وقرئت هكذا منذ العهد الأوّل وثبتت على مرّ الدهور ، قال عبداللّه بن هاني البريزي - مولى عثمان - : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلني بكتف شاة إلى أُبيّ بن كعب فيها : « لم يتسن » . وفيها : « لا تبديل للخلق اللّه » . وفيها : « فأمهل الكافرين » . فدعا بدواة فمحى اللّامين وكتب « لِخَلْقِ اللَّهِ » . ومحى « فأمهل » وكتب « فَمَهِّلِ » . وكتب « لَمْ يَتَسَنَّهْ » فألحق فيها الهاء . « 3 » ولولا أنّه السماع من رسولاللّه صلى الله عليه وآله لم يكتبها أُبيّ بالهاء ، كما أنّ اختلاف القرّاء فيما بعد ، وتطوّر الكتابة والخطّ ، كليهما لم يؤثّر على تغيير الكلمة عمّا كتبها الأوائل وقرأها السلف ومن رائهم عامّة المسلمين عبر الأجيال . وكذلك « بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ » « 4 » و « وَما أَنْسانِيهُ » « 5 » بضمّ هاء الضمير في هذين الموضعين فحسب دون ماسواهما من القرآن « 6 » لالعلّة مفهومة لنا ، ولولا أنّه المأثور خلفا عن سلف لم يكن ما يدعو إلى التزام المسلمين به طول التأريخ . ومثله : « سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ » « 7 » بإسقاط الواو في جميع المصاحف قديما وحديثا . وقوله :
--> ( 1 ) - آلاء الرحمان ، ج 1 ، ص 30 ، الفصل الثالث من مقدّمة التفسير . ( 2 ) - البقرة 259 : 2 . ( 3 ) - الإتقان ، ج 2 ، ص 271 ؛ وراجع : الجزء الأوّل « منجزات مشروع توحيد المصاحف » . ( 4 ) - الفتح 10 : 48 . ( 5 ) - الكهف 63 : 18 . ( 6 ) - راجع : الكشف ، ج 2 ، ص 66 . ( 7 ) - العلق 18 : 96 .