الشيخ محمد هادي معرفة

94

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أنحاء الوحي الرسالي قال تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً » أي إلهاما وقذفا في روعه ، وهو إلقاء في الباطن ، يحسّ به الموحى إليه كأنّما كتب في ضميره صفحة لامعة ، أو رؤيا في منام « أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » أي يكلّمه تكليما يسمع صوته ولا يرى شخصه ، كما كلّم موسى عليه السلام بخلق الصوت في الهواء يخرق مسامعه ، ويأتيه من كلّ مكان ، وكما كلّم نبينا صلى الله عليه وآله ليلة المعراج . والتكليم من وراء حجاب كناية أو تشبيه بمن يتكلّم محتجبا ، أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي ، لبعد الفاصلة بين كمال الواجب ونقص الممكن . « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » : ملكا من الملائكة « فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » إمّا إلقاء على السمع أو نقراً في القلب « إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » « وكَذلِكَ » أي على هذه الأنحاء الثلاثة : إلهاما وتكليما وإرسال ملك « 1 » « أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً » : هي الشريعة أو القرآن « مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . « 2 » هذه أنحاء الوحي بوجه عامّ وبصورة إجماليّة . أمّا بالنسبة إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله فكان يأتيه الوحي تارة في المنام ، وهذا - أكثريا - كان في بدء نبوّته . وأُخرى وحيا مباشريّا من جانب اللّه ، بلاتوسيط ملك . وثالثة مع توسيط جبرائيل عليه السلام . غير أنّ الوحي القرآني كان يخصّ الأخيرين إمّا مباشرة أو على يد ملك . وإليك بعض التفصيل : 1 - الرؤيا الصادقة كان أوّل ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصادقة ، كان صلى الله عليه وآله لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح - وهو كناية عن تشعشع نورانيّ كان ينكشف لروحه المقدّسة ، تمهيدا لإفاضة روح القدس عليه صلوات اللّه عليه وآله - ثمّ حبّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء

--> ( 1 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 246 . ( 2 ) - الشورى 51 : 42 - 52 .