الشيخ محمد هادي معرفة
95
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
يتحنّث فيه ، « 1 » الليالي أولات العدد ، قبل أن يرجع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ، ثمّ يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها ، « 2 » حتى فجأه الحقّ ، وهو في غار حراء : جاءه الملك فقال : « اقْرَأْ . . . » . « 3 » قال علي بنإبراهيم القمّي : « إن النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة ، كان يرى في منامه كأنّ آتيا يأتيه ، فيقول : يا رسولاللّه . ومضت عليه برهة من الزمن وهو على ذلك يكتمه ، وإذا هو في بعض الأيّام يرعى غنما لأبي طالب في شعب الجبال إذ رأى شخصا يقول له : يا رسولاللّه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا جبرائيل أرسلني اللّه إليك ليتّخذك رسولًا . . . » . « 4 » قال الإمام الباقر عليه السلام : « وأمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه ، نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام ونحو ما كان رأى رسولاللّه صلى الله عليه وآله من أسباب النبوّة قبل الوحي ، حتى أتاه جبرائيل عليه السلام من عند اللّه بالرسالة . . . » . « 5 » قوله : « قبل الوحي » أي قبل الوحي الرسالي المأمور بتبليغه . لأنّ هذا البيان تفسير لمفهوم « النبيّ » قبل أن يكون رسولًا . وهو إنسان أوحي إليه من غير أن يكون مأمورا بتبليغه . فهو يتصل بالملأ الأعلى اتصالًا روحيّا ، وينكشف له الملكوت كما حصل لنبيّنا صلى الله عليه وآله قبيل بعثته المباركة . قال صدرالدين الشيرازي : « يعني أنّه صلى الله عليه وآله اتصفت ذاته المقدّسة بصفة النبوّة وجاءته الرسالة من عند اللّه ، باطنا وسرّا ، قبل أن يتصف بصفة الرسالة أو ينزل عليه جبرائيل معاينا محسوسا بالكلام المنزل المسموع . وإنّما جاءه جبرائيل معاينا حين جمع له من
--> ( 1 ) - التحنّث : التحنّف ، وهو الميل إلى الحنيفية ، كناية عن التعبّد الذي هو مطهرة للعبد ، قال ابن هشام : تقول العرب : التحنّث والتحنّف ، فيبدلون الفاء من الثاء ، كما في جدث وجدف أي القبر . قال : وحدّثني أبو عبيدة أنّ العرب تقول : فمّ في موضع ثمّ ، راجع : السيرة ، ج 1 ، ص 251 . ( 2 ) - التزوّد : استصحاب الزاد . ( 3 ) - صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 3 ؛ وصحيح مسلم ، ج 1 ، ص 97 ؛ وتاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 298 . ( 4 ) - بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 184 ، ح 14 وص 194 ، ح 30 . ( 5 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 176 ، ح 3 ؛ وبحار الأنوار ، ج 18 ، ص 266 ، ح 27 .