الشيخ محمد هادي معرفة
63
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
« ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ . ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ » . « 1 » والنمط الآخر ، ضرب الأمثال ، وهو عبارة عن ترسيم حالة وتجسيد صفة باطنة ، في صورة مثال مشاهد ، وهو من تشبيه غيرالمحسوس بالمحسوس تجسيدا للخيال الحاكي عن واقعيّة ثابتة ، من غير أن يكون مجرّد تخييل . وهو من التصوير الفنّي في سبيل تحقيق أهداف رسالة التبليغ ، ويعدّ الأداة المفضّلة في هذا السبيل . قال سيدقطب : التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن . فهو يعبّر بالصورة المحسّة المتخيّلة ، عن المعنى الذهني ، والحالة النفسية ، وعن الحادث المحسوس ، والمشهد المنظور ، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشريّة . ثمّ يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة ، أو الحركة المتجدّدة . فإذا المعنى الذهني هيأة أو حركة ، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد ، وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئيّة . فأمّا الحوادث والمشاهد ، والقصص والمناظر ، فيردّها شاخصة حاضرة ، فيها الحياة ، وفيها الحركة ؛ فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كلّ عناصر التخييل . فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظّارة ، وحتى ينقلهم نقلًا إلى مسرح الحوادث الأول ، الذي وقعت فيه أو ستقع . . . إنّها الحياة هنا ، وليست حكاية الحياة ! وإنّها قدرة البيان القرآني ومدى تأثيره في قوة التخييل . . . « 2 » وفي القرآن الكثير من ضرب الأمثال : « وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » . « 3 » « وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ » . « 4 » ولقد عرضنا نماذج منها عندالبحث عن ضرب الأمثال في القرآن .
--> ( 1 ) - الأنفال 51 : 8 - 54 . ( 2 ) - التصوير الفنّي في القرآن لسيدقطب ، ص 29 . ( 3 ) - الزمر 27 : 39 . ( 4 ) - الإسراء 89 : 17 .