الشيخ محمد هادي معرفة

64

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وهذان النوعان من البيان القرآني ( بيان الأحكام والتكاليف ، وعرض الحكم والأمثال ) كانا من وضوح البيان حينذاك ( حين نزول القران ) بمكان . وهكذا يجري بوضوحه مع الأزمان . الأمر الذي يعمّ غالبية الآيات القرآنية ، بلا أن يكون عليها شيء من الغموض والإبهام . . . ويبقى النوعان الآخران - في أقليّة من الآيات الكريمة - وهما : النوع المرتبط بالحديث عمّا وراء ستار الغيب والنوع المرتبط بأصول المعارف . . . ويكثر فيهما استعمال المجاز والاستعارة والكناية حيث علوّ المستوى وانخفاض مرتبة الألفاظ وتصوّرها عن شمول مثل هذه المعاني الشامخة . الأمر الذي قد يسبّب إجمالًا في التعبير أو إبهاما في الأداء والبيان . وإنّما هو لبعد المستوى عن الأذهان العاديّة . . . ولنضرب لكلا النوعين مثلًا : 3 - تعابير عن عوالم الغيب . أمر لامحيص عنه في الكتب النازلة من السماء ، ففيها طرف من إخبارات عن عوالم الغيب وعمّا يجرى هناك من تدابير ، أو يؤول إليه أمر هذه الحياة في نهاية المطاف . مثلًا عند مايصوّر الملائكة - وهي المدبّرات أمرا - ولبيان مراتب قدرهم في أمر التدبير ، يذكر لها أجنحة مثنى وثلاث ورباع . « 1 » ومن المعلوم أن لا أجنحة هناك كأجنحة الطيور هنا ، وإنّما هي تعابير كنائيّة عن مراتب قدرهم . واستعارة الجناح للقدرة وكذا الذراع والعضد شائع في المتعارف ، من غير أن يكون المعنى الحقيقي مرادا . . . وهكذا عندما يتكلّم عن الحور والقصور والأشجار والأنهار ، إنّها تعابير عن ملاذّ الآخرة ، كما أنّ النار والحرور كناية عن أليم عقابها ، أمّا نفس هذه المفاهيم بعين مانجده في دار الدنيا ، فغير معلوم بعد عدم تسانخ بين النشأتين . « 2 » نعم عدم معرفتنا بحقيقة الأمر في ذلك ، إنّما يعود إلى قصور في أفهامنا الخاصّة

--> ( 1 ) - « جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ » ، فاطر 1 : 35 . ( 2 ) - وفي المجلد السابع من التمهيد تلميحات إلى ذلك حيث ردّ الشبهات الواردة بهذا الشأن وللسيد الطباطبائي إشارة إلى ذلك في مقدمة تفسيره الميزان ، ج 1 ، ص 6 - 9 .