الشيخ محمد هادي معرفة

47

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ثانيها : أنّ جبرائيل إنّما نزل بالمعاني خاصّة ، وأنّه صلى الله عليه وآله كان قد صاغها في صياغة لغة العرب . وتمسّك القائل بذلك بظاهر قوله تعالى : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « 1 » وقوله : « فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » ، « 2 » زاعما أنّ مايعيه القلب هي المعاني دون الألفاظ الخاصّة بمدرك السمع ! ثالثها : أنّ جبرائيل هو الذي كان يفرغها في قوالب الألفاظ بلسان عربي مبين كان يلقيها على النبيّ صلى الله عليه وآله ومن ثمّ كان أهل السماء استمعوا إلى قرآن جبرائيل وجعلوا يقرأونه بالعربيّة . ولا مستند لهذا القول سوى مازعموه من روايات نزول القرآن جملةً إلى البيت المعمور أوبيت العزّة في السماء الدنيا أو الرابعة ، ثمّ نزوله تدريجيا على رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة . « 3 » قال الجويني « 4 » : الوحي على قسمين : أحدهما أن يأمراللّه جبرائيل بأن يقول للنبيّ : افعل كذا أو أنّ اللّه أمر كذا . فكان جبرائيل يتلقّى المعنى ويلقيه على قلب النّبي . الثاني أن يقول له : اقرأ على رسول‌اللّه بكذا ، فهذا يلقيه بلفظه الذي كان يتلقّاه من غير تبديل ، كما كان الملوك يكتبون الرسائل ويرسلونها على أيدي الرسل فيوصلونها من غيرتصرّف أو تغيير . . . . قال جلال‌الدين السيوطي - بعد نقل كلام الجويني - : والقرآن من قبيل الثاني ، كان يتلقّاه جبرائيل بلفظه ويلقيه على النبيّ كما تلقّاه من غير تصرّف فيه لافي لفظه ولا في معناه ، ولم يجزله إلقاء المعنى فقط . والسرّ في ذلك أنّ المقصود من القرآن التعبّد بلفظه وراء التعبّد بالعمل بمعناه ، ولأنّه دليل الإعجاز ، فلايستطيع أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، لاجبرائيل ولاغيره ، وأنّ تحت كلّ حرف منه مقاصد لا تحصى . فلايقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليها . . . « 5 »

--> ( 1 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 . ( 2 ) - البقرة 97 : 2 . ( 3 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 229 - 230 ونقله السيوطي في الإتقان ، ج 1 ، ص 126 . ( 4 ) - هو أبو المعالي إمام الحرمين ، الفقيه الشافعي أستاذ الغزالي . له مصنّفات في مختلف العلوم . ( 5 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 127 - 128 .