الشيخ محمد هادي معرفة

48

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال الزرقاني : وقد أسفّ بعض الناس فزعم أنّ جبرائيل كان ينزل على النبيّ صلى الله عليه وآله بمعاني القرآن ، والرسول يعبّر عنها بلغة العرب . وزعم آخرون أنّ اللّفظ لجبرائيل وأنّ اللّه كان يوحي إليه المعنى فقط . وكلاهما قول باطل أثيم ، مصادم لصريح الكتاب والسنّة والإجماع ، ولايساوي قيمة المداد الذي يكتب به . وعقيدتي أنّه مدسوس على المسلمين في كتبهم . وإلّا فكيف يكون القرآن حينئذٍ معجزا واللّفظ لمحمّد أولجبرائيل ؟ ! ثمّ كيف تصحّ نسبته إلى اللّه واللفظ ليس للّه ؟ ! « 1 » وأمّا الآيات التي استند إليها هذا القائل ، فعلى عكس مطلوبه أدلّ ! ذلك لأنّ المراد بالقلب فيها هو شخصيّة الرسول الباطنة الآهلة لتلقّي الوحي من عند اللّه وليس هذا العضو الصنوبري الكامن في الصدور . حيث إنّ أجهزة الإدراك عندنا لم تُعَدَّ لاستلام هكذا تلقيّات ممّا وراء المادّة ، وإنّما هي تعمل في إطار محدود . ونظير هذه المحدوديّة في المادّة ، الأمواج اللاسلكيّة تتلقّاها أجهزة خاصّة بذلك ، تلقّيا بنفس الألفاظ وحتى الصور والأشكال والألوان من مكان بعيد ، ممّا لا يمكن تلقّيها بهذا الحسّ الظاهري العاديّ . وهكذا النفوس المستعدّة تستأهل لإدراك أمور تعجز الأحاسيس العاديّة عن إدراكها ما دامت على كثافتها الأولى ولم تبلغ لطافتها المتناسبة مع الملأ الأعلى ! على أنّ الآية من سورة الشعراء « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ . . . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » ناصّة على أنّ النازل من عند اللّه وعلى يد أمينه جبرائيل ، هو هذا القرآن بنصّه ولفظه العربي المبين ! فالآية على عكس مطلوب المستدلّ أدلّ ! وقد نسب هذا القول إلى « معمّر بن عبّاد السُلَمي » ( ت 215 ) من زعماء المعتزلة ، « 2 » نسبة مأخوذة من قياس المساواة ، إذ لا تصريح له بذلك وإنّما هولازم كلامه ومذهبه في

--> ( 1 ) - مناهل العرفان للشيخ محمدعبدالعظيم الزرقاني ، ج 1 ، ص 49 . ( 2 ) - هو أبو المعتمر معمَّر بن عمرو ، وقيل : ابن عبّاد البصري . كان بينه وبين النظام مناظرات ومنازعات . سير أعلام النبلاء للذهبي ، ج 10 ، ص 546 / 176 .