الشيخ محمد هادي معرفة
113
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
على أنّ النّبيّ محمدا صلى الله عليه وآله كان أشرف الأنبياء وأفضل المرسلين وخاتم سفراء ربّ العالمين ، فكان أكرم عليه تعالى من أن يتركه ونفسه يتلوّى في أحضان القلق والاضطراب ، خائفا على نفسه مسّ جنون أو الاستحواذ على عقله الكريم - على ما جاءت في روايات آتية لا قيمة لها عندنا - . إذن فقد كان موقف النبيّ صلى الله عليه وآله تجاه نزول الحقّ عليه - في بدء البعثة - موقف إنسان واع بجليّ الأمر ، عارف بحقيقة الحقّ النازل عليه ، في اطمئنان بالغ وسكون نفس وانشراح صدر ، لم يتردّد ولم يشك ولم يضطرب ، كما لم يفزع ولم يفرق . وسنذكر قصّة بدء البعثة على ما جاءت في روايات أهل البيت عليهم السلام وهي تشرح جوانب من موقف النبيّ صلى الله عليه وآله آنذاك ملؤها عظمة وإكبار وابَّهة وجلال . قصة ورقة بن نوفل تلك كانت قصة البعثة ، وفق ما جاءت في أحاديث أهل البيت ، وهم أدرى بما في البيت ، وإليك الآن حديثا آخر عن بعثة النبيّ محمد صلى الله عليه وآله على ما جاءت في روايات غيرهم : روى البخاي ومسلم وابن هشام والطبري وأضرابهم : « بينما كان النبيّ صلى الله عليه وآله مختليا بنفسه في غار حراء إذ سمع هاتفا يدعوه ، فأخذه الروع ورفع رأسه وإذا صورة رهيبة هي التي تناديه ، فزاد به الفزع وأوقفه الرعب مكانه ، وجعل يصرف وجهه عمّا يرى ، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعا ويتقدّم ويتأخّر فلاتنصرف الصورة من كلّ وجه يتّجه إليه . وأقام على ذلك زمنا ، ذاهلًا عن نفسه ، وكاد أن يطرح بنفسه من حالق من جبل ، من شدّة ما ألمّ به من روعة المنظر الرهيب . وكانت خديجة قد بعثت أثناءه من يلتمس النبيّ صلى الله عليه وآله في الغار فلايجده ، حتى إذا انصرفت الصورة ، عاد هو راجعا ، وقلبه مضطرب ممتلئا رعبا وهلعا ، حتى دخل على خديجة وهو يرتعد فرقا كأنّ به الحمّى ، فنظر إلى زوجه نظرة العائذ المستنجد ، قائلا : يا خديجة : مالي ؟ ! وحدّثها بما رأى ، وأفضى إليها بمخاوفه أن