الشيخ محمد هادي معرفة

114

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

تخدعه بصيرته . قال : لقد أشفقت على نفسي ، وما أراني إلّا قد عرض لي « 1 » وقال : إِنَّ الأبعد - يعني نفسه الكريمة - لكاهن أو مجنون ! فرنت إليه زوجه الوفيّة بنظرة الإشفاق ، وقالت : كلّا يا ابن عم ، أبشر وأثبت ، واللّه لايخزيك أبدا . فوالذي نفس خديجة بيده ، إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأُمَّة ، إنَّك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتقري الضيف ، وتعين على النوائب ، وما أوتيت بفاحشة قط . وهكذا طمأنته بحديثها المرهف . ثمّ قامت بتجربة ناجحة : قالت : يا ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك ؟ قال : نعم . قالت : فإذا جاءك فأخبرني به . فجاءه الملك كما كان يأتيه . فقال رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله : يا خديجة ، هذا هو قد جاءني . فقالت : نعم ، فقم يا ابن عم واجلس على فخذي اليسرى . فقام رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله فجلس عليها . فقالت : هل‌تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحوّل واقعد على فخذي اليمنى ، فتحوّل رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله فجلس عليها . فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قال فتحوّل واجلس في حجري ، فتحول وجلس في حجرها ، ثمّ تحسّرت « 2 » وألقت خمارها ، ورسول اللّه صلى الله عليه وآله جالس في حجرها . فقالت : هل تراه يا ابن عم ؟ قال : لا . فقالت : يا ابن عم ، أبشر وأثبت ، فواللّه إنَّه لملك وما هو بشيطان . ثمّ توكيدا لما استنتجته من تجربتها ، انطلقت إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل وكان متنصّرا قارئا للكتب ، فقصّت عليه خبر ابن عمّها محمد صلى الله عليه وآله فقال ورقة : قدّوس قدّوس لئن كنت صدقتني يا خديجة ، فقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى . فقولي له : فليثبت . وأنّه لنبيّ هذه الأُمة . ولوددت أن أدرك أيّامه فأؤمن به وأنصره . فعادت خديجة إلى رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله وأخبرته بما قال ، فعند ذلك اطمأنّ باله ، وذهبت روعته ، وأيقن أنّه نبيّ . « 3 » قلت : لاشكّ أنّ قصة ارتياع النبيّ صلى الله عليه وآله بتلك الصورة الفظيعة ، أسطورة خرافة حاكتها

--> ( 1 ) - قال ابن الأثير : أي أصابني مسّ من الجن . ( 2 ) - أي كشفت عن نفسها . ( 3 ) - راجع : سيرة ابن‌هشام ، ج 1 ، ص 252 - 255 ؛ وصحيح البخاري ، ج 1 ، ص 3 - 4 ؛ وصحيح مسلم ، ج 1 ، ص 97 - 99 ؛ وتاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 298 - 303 ؛ وجامع البيان ، ج 30 ، ص 161 ؛ وحياة محمد لمحمدحسين هيكل ، ص 95 - 96 .