الشيخ محمد هادي معرفة
112
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وتبليغ رسالة اللّه إلى العالمين . كما فعل بإبراهيم الخليل عليه السلام . قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « ولقد قرن اللّه به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظمَ ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالَم ليله ونهاره . . . » « 1 » وقال الإمام العسكري عليه السلام : « إنّ اللّه وجد قلب محمد صلى الله عليه وآله أفضل القلوب وأوعاها فاختاره لنبوّته . . . » . « 2 » كما قال صلى الله عليه وآله : « ولابعث اللّه نبيّا ولارسولًا حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من جميع عقول أُمّته . . . » . « 3 » قال العلّامة المجلسي : « منذ أن أكمل اللّه عقله ، لميزل مؤيّدا بروح القدس يكلّمه ويسمع صوته ويرى الرؤيا الصادقة ، حتى بعثه اللّه نبيا رسولًا » . « 4 » والدلائل على أنّه صلى الله عليه وآله منذ بدايته كان مورد لطفه تعالى وعنايته الخاصّة كثيرة ، وقد عرف قومه فيه النبوغ والجدارة الذاتيّة ، ولمسوا فيه الصدق والأمانة والذكاء والفطنة ، فوجدوه مزيجا من الاستقامة وحصافة العقل ، حتى حبّب إلى الناس جميعا ولقبّوه بالصادق الأمين ، أمينا في رأيه ، وأمينا في سلوكه . وكان قبيل بعثته تظهر له علائم النبوّة ، فقد ظهرت آياتها قبل ثلاث سنوات من بعثته وهو في سن السابع والثلاثين - كما في رواية علي بن إبراهيم القمي - « 5 » فكان يرى الرؤيا الصادقة ، وكان يختلي بنفسه في غار حراء ، متفكّرا في أسرار الملكوت ، متعمّقا في ذات اللّه متطلّعا سرّ الخليقة ، حتى فجأه الحقّ وقد بلغ سن الأربعين . فقد كان ممهّدا نفسه لذلك ، عارفا بسمات أمر قد أشرفت طلائعه منذ حين . وهكذا إنسان لا يفزع ولا يفرق ولايظنّ بنفسه الجنّة أو عارضة سوء ، ليلتجأ إلى امرأة لاعهد لها بأسرار النبوّات أو رجل « 6 » كان حظّه من العلم أن قرأ كتبا محرّفة وآثارا بائدة ، لم يثبت آنذاك أنّه لمس حقائق ومعارف من الملك والملكوت كانت موجودة فيها لحدّ ذاك ، غير ممسوخة عن فطرتها الأُولى .
--> ( 1 ) - نهج البلاغة ، الخطبة القاصعة ، 192 ، ص 300 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 205 - 206 ، ح 36 . ( 3 ) - الكافي الشريف ، ج 1 ، ص 12 - 13 . ( 4 ) - بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 277 . ( 5 ) - المصدر ، ص 184 ، ح 14 وص 194 ، ح 30 . ( 6 ) - هو : ورقة بن نوفل ابن عم خديجة .