الشيخ محمد هادي معرفة

111

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ينزغ به الشيطان ؟ فقال عليه السلام : « إنّ اللّه إذا اتخذ عبدا رسولًا ، أنزل عليه السكينة والوقار - أي الطمأنينة والاتزان الفكري - فكان الذي يأتيه من قبل اللّه ، مثل الذي يراه بعينه » « 1 » أي يجعله في وضح الحقّ ، لاغبار عليه أبدا ، فيرى الواقع ناصعا جليّا لايشكّ ولايضطرب في رأيه ولا في عقله . وقد أوضح الإمام عليه السلام ذلك في حديث آخر ، سئل عليه السلام : كيف علمت الرسل أنّها رسل ؟ قال : « كشف عنهم الغطاء » . . . « 2 » قال العلّامة الطبرسي : « إنّ اللّه لايوحي إلى رسوله إلّا بالبراهين النيّرة والآيات البيّنة ، الدالّة على أنّ ما يوحى إليه إنّما هو من اللّه تعالى فلايحتاج إلى شيء سواها ، ولايفزع ولا يفرق » . « 3 » وقال القاضي عياض : « لايصحّ - أي في حكمته تعالى ، وهو إشارة إلى قاعدة اللطف - أن يتصوّر له الشيطان في صورة الملك ، ويلبس عليه الأمر ، لافي أوّل الرسالة ولابعدها . والاعتماد - أي اطمئنان النبيّ - في ذلك دليل المعجزة . بل لا يشك النبيّ صلى الله عليه وآله أنّ ما يأتيه من اللّه هو الملك ورسوله الحقيقي إمّا بعلم ضروريّ يخلقه اللّه له ، أو ببرهان جليّ يظهره اللّه لديه . لتتمّ كلمة ربّك صدقا وعدلا لامبدّل لكلمات اللّه » . « 4 » إذن فلابدّ أن يكون النبيّ صلى الله عليه وآله حين انبعاثه نبيّا على علم يقين ، بل عين يقين من أمره ، لايشكّ ولايضطرب ، مستيقنا مطمئنّا باله مرعيّا بعناية اللّه تعالى ولطفه الخاص ، منصورا مؤيّدا ، ولاسيّما في بدء البعثة فيأتيه الناموس الأكبر وهو الحقّ الصراح معاينا مشهودا ، وهي موقعيّة حاسمة لا ينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها أو يتروّع في موقفه ذلك الحرج العصيب : « إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ » . « 5 » وأيضا فإنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يختره اللّه لنبوّته ، إلّا بعد أن أكمل عقله وأدّبه فأحسن تأديبه . وعرّفه من أسرار ملكوت السماوات والأرض مايستأهله للقيام بمهمّة السفارة

--> ( 1 ) - تفسير العياشي ، ج 2 ، ص 201 ، ح 106 ؛ وبحار الأنوار ، ج 18 ، ص 262 ، ح 16 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 11 ، ص 56 ، ح 56 . ( 3 ) - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 384 . ( 4 ) - الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، ج 2 ، ص 112 . ( 5 ) - النمل 10 : 27 .