الشيخ محمد هادي معرفة
110
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
المعصية . وهذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى إذا كان يريد من عباده الانقياد ، وإلّا كان نقضا لغرضه من التكليف . ومن ثمّ وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء وينزل الشرائع ويجعل في الأُمم ما ينير لهم درب الحياة ، إمّا إلى سعادة فباختيارهم ، أو إلى شقاء فباختيارهم أيضا . « 1 » وطبقا لهذه القاعدة لا يدع - تعالى - مجالًا لتدليس أهل الزيغ والباطل ، إلّا ويفضحهم من فورهم « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » « 2 » فالحقّ دائما يعلو ولا يعلى عليه ، والحقّ والباطل كلاهما ، على وضح الجلاء ، لايكدّر وجه الحقّ غبار الباطل أبدا : « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ » . « 3 » « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » . « 4 » وهذا إنّما هو نصر واعتلاء مبدئي ، فالحقّ دائما ظاهر منصور ، وأنّ رسالة الأنبياء دائما تكون هي الغالبة الظافرة ، « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ » . « 5 » نعم « إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » . « 6 » قال الإمام الصادق عليه السلام : « أبى اللّه أن يعرّف باطلا حقّا . أبى اللّه أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلا لاشك فيه . وأبى اللّه أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقّا لاشكّ فيه . ولو لم يجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل » . وقال : « ليس من باطل يقوم بإزاء الحقّ ، إلّا غلب الحقّ الباطل . وذلك قوله تعالى : « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ » . « 7 » هذا . . . وقد سأل زرارة بن أعين ، الإمام أبا عبداللّه الصادق عليه السلام عن نفس الموضوع قال : قلت لأبي عبداللّه : كيف لم يخف رسولاللّه صلى الله عليه وآله فيما يأتيه من قبل اللّه أن يكون ممّا
--> ( 1 ) - راجع : شرح تجريد الاعتقاد للعلّامة الحلّي ، ص 324 . ( 2 ) - الحاقة 44 : 69 - 46 . ( 3 ) - الأنبياء 18 : 21 . ( 4 ) - غافر 51 : 40 . ( 5 ) - الصافات 171 : 37 - 173 . ( 6 ) - النساء 76 : 4 . ( 7 ) - الأنبياء 18 : 21 . راجع : محاسن البرقي ، كتاب مصابيح الظلم ، ج 2 ، ص 354 ، ح 153 .