الشيخ عباس القمي
698
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار
لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه ، وكان خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، وكان أعفّ الناس وأشدّهم إكراما لأصحابه لا يمدّ رجليه بينهم ويوسّع عليهم إذا ضاق المكان ، ولم يكن ركبتاه يتقدّمان ركبة جليسه ، وكان كثير السكوت لا يتكلّم في غير حاجة ، يعرض عمّن تكلّم بغير جميل ، وكان ضحكه تبسّما وكلامه فصلا ، وكان ضحك أصحابه عنده التبسّم توقيرا له واقتداء به ، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن « 1 » فيه الحرم ، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير ، وكان يجلس حيثما انتهى به المجلس ويأمر الناس بذلك ، وكان يقول : أعطوا المجالس حقّها ، قيل : وما حقّها ؟ قال : غضّوا أبصاركم وردّوا السلام وارشدوا الأعمى وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، ويقول : إذا قام أحدكم من مجلسه ثمّ رجع فهو أولى بمكانه ، وكان لا يجلس ولا يقوم الّا على ذكر ، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم صلّى اللّه عليه وآله وسلم حتّى يقوم الذي جلس إليه الّا أن يستعجله أمر فيستأذنه . أقول : وكان أهل بيته المقتبسون من مشكاته كذلك . الكافي : فقد روى اليسع بن حمزة قال : كنت أنا في مجلس أبي الحسن الرضا عليه السّلام أحدّثه وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام إذ دخل عليه رجل طوال أدم فقال له : السلام عليك يا بن رسول اللّه ، رجل من محبّيك ومحبّي آبائك وأجدادك عليهم السّلام ، مصدري من الحجّ وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة ، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي وللّه عليّ نعمة فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة ، فقال له : اجلس رحمك اللّه ، وأقبل على الناس يحدّثهم حتّى تفرّقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخثيمة وأنا ، فقال : أتأذنون لي في الدخول ؟ فقال له سليمان : قدم اللّه أمرك ، فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة ثمّ
--> ( 1 ) لا تؤبن أي لا تنتقص .