الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

267

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

والتي هي من خصائص المتصوفين والتي تميزهم من غيرهم ، ولكن الحقائق تثبت غير ذلك ، وتؤكد أن الشيخ الكامل بحكم مركزه الروحي والاجتماعي وبحكم منزلته الدينية لدى الخاصة والعامة يؤمه ويتوجه إليه يوميا الكثير من المريدين والأتباع وأصحاب الحوائج إضافة إلى ما تكلف شؤون التكية ( بيت الذكر ) من النفقات المتعلقة بأمور الارشاد والطريقة في أنحاء المعمورة ، إذ أن كل ذلك يقتضي أموالا طائلة لخدمة الطريقة والدين . إن الشيخ لا يهدف من وراء الاكتساب الشرعي للأموال إلى التمتع الشخصي بها ، لأنه أبعد ما يكون عن ذلك ، فلا يطلب المال إلا لأجل الله وفي سبيل الخير العام . ومما يثبت حقيقة ما أشرنا إليه هو أن مهمة الإرشاد مهمة مباركة وشاقة وكبيرة تقع مسؤوليتها على الشيخ في نشر الإيمان والخير والفضيلة في النفوس عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا تحصل عملية الجهاد هذه إلا بتعاون أهل الخير والإيمان فيما بينهم : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ « 1 » ، وذلك بتوجيه الأموال واستخدامها في نشر الإيمان وترسيخ العقيدة وتأمين المأوى والمؤونة للوافدين من أماكن مختلفة ، لذا فإن ثروة الشيخ تعد ميزانية عامة للمريدين ، فهي بيت مال المسلمين . ولقد كان الصوفية قديما وحديثا يضربون في الأرض للعيش والكسب من فضل الله تعالى ، وتدل ألقاب المتصوفين على أعمالهم التي كانوا يزاولونها في حياتهم اليومية لكسب قوتهم فمنهم : الوراق ، والخواص ، والبزاز ، والحلاج ، والزجاج ، والصيرفي ، والفراء ، وكان بعضهم فقيرا والآخر غنيا ومنهم العازف عن الدنيا ومنهم أصحاب ثروات عظيمة التي يؤدون فيها حق الله وينفقون منها في سبيله : وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ « 2 » . والفرق بين الصوفية وغيرهم هو أن الدنيا لا تستعبدهم وإنما تستعبد غيرهم ، وأنهم لا يلقون بقيادهم إلا لله سبحانه وتعالى ، فلا يلقون بقيادهم في مال أو جاه أو منصب أو رياسة أو غير ذلك مما يذل أهل الدنيا وأهل الأهواء الذين يتخذون دنياهم وأهوائهم آلهة يعبدونها من

--> ( 1 ) - المائدة : 2 . ( 2 ) - الذاريات : 19 .