الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

82

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

قريباً ولك مجيباً ، ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ، ولتوجه الحق بتيسير ذلك إليك . فهذا الكلام بطرفي الجواز والوقوع جميعاً وذكر أعيان الكرامات التي اتفقت السلف رضي الله عنهم لا يستطاع حصرها ، وقد أشبع القول فيها الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته وأفرد له باباً . واعلم أن الكرامة تارة تظهر للولي نفسه ، وتارة تظهر فيه لغيره . فإن أظهرت للولي في نفسه فالمراد : تعريفه بقدرة الله ، وفرديته ، وأحديته ، وأن قدرته لا تتوقف على الأسباب ، وأن العوائد هو حاكم عليها ليست هي حاكمة عليه ، وإنما جعل العوائد والوسائط والأسباب حجب قدرته وسحب شمس أحديته ، فواقف عندها مخذول ونافذ منها إليه هو بالعناية موصول . قال الشيخ أبو الحسن : فائدة الكرامة : تعريف اليقين من الله ، بالعلم ، والقدرة ، والإرادة ، والصفات الأزلية بجمع لا يفترق وأمر لا يتعدد كأنها صفة واحدة قائمة بذات الواحد ، يستوي من تعرف الله إليه بنوره ، كمن تعرف إلى الله بعقله . ولأجل أنها تثبت لمن أظهرت له ربما وجدها أهل البدايات في بداياتهم ، وفقدها أهل النهايات في نهاياتهم ، إذ ما عليه أهل النهايات من الرسوخ في اليقين والقوة والتمكين لا يحتاجون معه إلى تثبيت ، وهكذا كان السلف رضي الله عنهم لم يحوجهم الحق تعالى إلى وجود الكرامات الحسية لما أعطاهم من المعارف الغيبية والعلوم الإشهادية ، ولا يحتاج جبل إلى مرساة ، فالكرامة دافعة لزلزلة الشك في المنة ، ومعرفة بفضل الله فيمن أظهرت عليه ، وشاهدة له بالاستقامة مع الله سبحانه . والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام : قوم يجعلونها غاية الأمر ، فإن وجدوها عظموا من أظهرت عليه ، وإن فقدوها لم يتوجهوا بالتعظيم إليه . وقسم قالوا : وما هي الكرامة ؟ إنما هي خدع يخدع بها أهل الإرادة ليقفوا على حدودهم حتى لا يلجوا مقاماً ليس هو لهم .