الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
466
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
والنوافل ، مقيمين من ذلك كله دستوراً ضخماً يدور حول امراض القلب وأدويتها ، وخفايا النفوس ووساوسها ، ومجالات الروح والهاماتها . وكل هذا بدا في نظر الفقهاء أو في نظر أكثرهم ابتداعاً في الدين وانحرافاً عن الحياة المثلى ، وتمرداً على ما اصطلحت عليه العقول في بناء الحياة الدنيا . وأخطر من هذا ، المظهر الدنيوي بينهما ، فقد آمن رجال الفقه بأنهم وحدهم سادة الجماهير ، وأنهم وحدهم سدنة الدين وحراس نبعها المقدس ، وليس لغيرهم أن يرتدي ثوب الدين وقداسة هذا الثوب ، وليس لغيرهم ان يقول في الدين برأي أو يلقي في مشكلاته بدليل أو حجة . ومع إيمان الفقهاء بهذا فقد انتزع المتصوفة الجماهير من قبضة الفقهاء وتزعموها دونهم ، واحتفظوا بهذه الزعامة على التاريخ رغم ما بذل في سبيل هدمها وزلزلتها . وكان هذا وحده كفيلًا بأن يزكي نار الخصومة ، وأن يلهب الحقد في قلوب الفقهاء ، فيعلنوها حرباً قاسية على التصوف والمتصوفة ، حرباً استغلت فيها كافة الأسلحة من التكفير كما حدث في محنة التصوف الكبرى التي تعرف في التاريخ ( بمحنة غلام الخليل ) حيث قدم للموت ، أبو علي الدقاق ، وأبو الحسين النوري ، وغيرهما من أئمة التصوف باسم الكفر والزندقة . إلى الدس الرخيص لدى الأمراء والملوك بدعوى حماية العرش وتدبير المؤامرات كما حدث في مأساة الحلاج ونكبة السهروردي . إلى القتلة الغيلة في جنح الظلام كما حدث للمناوي تلميذ الشعراني الأكبر وصاحب الكواكب الدرية في طبقات الصوفية . ورغم تلك الخصومة الحادة التي حملها جمهرة الفقهاء للتصوف والمتصوفة كان أئمة الفقه جميعاً ، من المتصوفة خلقاً وعملًا وحباً بلا استثناء مما يحملنا على الاعتقاد بأن أساس الخصومة دنيوياً لا دينياً . كان أبو حنيفة فقيهاً صوفياً ، وكان الشافعي يرسل دقائق المسائل الفقهية إلى أبي حمزة الصوفي ويقول : علمنا يا صوفي . وكان يقول : « استفدت من الصوفية طول صحبتي لهم