الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

127

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

فالعبد الحقيقي يبقى عبداً في كل أحواله وأوقاته ، وفي تعامله مع الخالق والخلق ، إذ يقول الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « الفوز هو في أدب الصحبة والمعاشرة مع الخالق عز وجل والخلق » « 1 » . فلا يتأتى للعبد التحلي بصفات العبودية الا بتخليه عن الذميم من صفاته ومفارقة طباعه السيئة ، إذ إن هذا الانسلاخ من الصفات المذمومة هو جوهر العبادة التي هي تدريب النفس على العبودية ، لذلك يقول الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « العبادة ترك العادة ، هي ناسخة ، الشرع ينسخ العادة ويزيلها ، تمسكوا بشرع ربكم عز وجل واتركوا عاداتكم ، العالم يقف مع العبادة ، والجاهل يقف مع العادة ، عوِّدوا أنفسكم وأولادكم وأهليكم فعل الخير والدوام عليه ، عوِّدوا أيديكم بذل الدنيا ، عودوا قلوبكم الزهد فيها » « 2 » ويبين الشيخ بأن الهدف أن تصبح العبادة صفة دائمة للعبد وهو لذلك يقول : « العبادة بترك العادة حتى تصير موضع العادة » « 3 » . إن الطريقة تفرض سلوكاً خاصاً يحارب المرء فيه صفاته النفسية التي تدفعه إلى سوء الأدب مع الخالق عز وجل ، والتشبه بدلًا منها بالخلق النبوي الشريف الذي هو سبب كل فعل نبيل وعمل صالح وأصله ، فبحمل حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم لكل طيب وعظيم من الصفات جاءت أفعاله مثالًا ، أمر الله عز وجل الخلق بالاقتداء به فقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً « 4 » فكان من أخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم : التقوى والزهد والتواضع والصبر والجود والحياء والصدق والإخلاص والرضا والمجاهدة والورع والتوكل والحزن والقناعة والرجاء والاستقامة والشكر وغيرها من الصفات الزكية .

--> ( 1 ) - انظر كتابنا جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر الكيلاني ص 10 . ( 2 ) - جمال نصار ، لؤي فتوحي الطريق إلى الطريقة ص 25 . ( 3 ) - انظر كتابنا جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر الكيلاني ص 74 . ( 4 ) - الأحزاب : 21 .