الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
126
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
إن الطريقة التي تعني الآخذ بالعزيمة لا تقف عند حدود العبادات المعروفة مثل الصلاة فحسب ، ولكن تشمل جميع تصرفات الإنسان وسلوكه ، فالزهد مثلًا عند أهل العزم ليس زهداً في المحرمات فقط ، ولكنه أكثر من ذلك بكثير ، فهو كما يصفه الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « الترك للمحرمات ، ثم ترك الشبهات ، ثم ترك المباحات ، ثم ترك الحلال المطلق في جميع الحالات حتى لا يبقى متروك في الجملة » « 1 » إن زهد أهل العزم لا يكون في الطعام فقط أو في جوانب معينه من جوانب الحياة دون غيرها ، وإنما هو سلوك يطول جميع تصرفاتهم وكل دقائق حياتهم ، فلما سأل الشيخ رويم الشيخ الجنيد البغدادي قدس الله سره عن الزهد ، أجابه بأنه : « استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب » « 2 » . إن حقيقة الزهد عند أصحاب الطريقة يتجاوز حدود الزهد في الدنيا ليكون زهداً في كل شيء غير الله عز وجل ، يقول الشيخ أبو بكر الشبلي قدس الله سره لما سئل عن حقيقة الزهد : « أن تزهد فيما سوى الله تعالى » « 3 » . إن الآخذ بالعزيمة في كل الأمور بناءاً على مناهج خاصة يضعها مشايخ الطريقة توصل العبد لا محالة إلى التحقق بحقيقة العبودية المحضة لله تعالى وهو من أهم أهداف الطريقة التي خلق الله الكون والكائنات لأجلها . ولكي يصل المريد إلى هذه المرتبة عليه أن يتحقق بهدف آخر مهم من أهداف الطريقة وهو الخلق العظيم ، يكون توضيح العلاقة بين العبادة والأخلاق وأثر الأخلاق في كمال العبادة على النجو الآتي . 1 - الخلق العظيم إن الإنسان مطالب بتحقيق عبوديته ليس من خلال ما يقوم به من سلوك مباشر تجاه ربه عز وجل فقط ، أي بالعبادات ، ولكن في كل أموره وتصرفاته ، بما فيها تعامله مع الناس ،
--> ( 1 ) - انظر كتابنا جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر الكيلاني ص 37 . ( 2 ) - الإمام القشيري الرسالة القشيرية ص 61 . ( 3 ) - المصدر نفسه ص 21 .