الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

161

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

ويقول الشيخ الجنيد البغدادي قدس الله سره : « معنى الصدق القيام على النفس بالحراسة والرعاية لها ، بعد الوفاء منك بما عليك مما دلك العلم عليه ، في إقامة حدود الأحوال في الظاهر مع حسن القصد إلى الله عز وجل في أول الفعل ، فالصدق موجود في حقيقة صفات الإرادة عند بداية الإرادة بالقيام بما دعيت إليه في حقيقة إرادتك مما طرق الحق لك إليه والمبادرة فيه بالخروج عن موافقة النفس لطلب الراحة مع انتصاب العلم لك وموافقتك له بخروجك من التأويل . فالصدق موجود قبل وجود حقيقة الإخلاص وقد قال الله عز وجل : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ « 1 » ، ثم سألهم بعد ما أوتوا بالصدق ما أرادوا بصدقهم . وقد سمى الله الصادقين في موضع آخر على غير هذا المعنى فقال عز وجل : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ « 2 » ، فكان الصدق في الأول علما للخلق وفصلا بينهم وبين الإخلاص ، لأن الإخلاص موجود في صفة الخلق عند حالين : حال الاعتقاد والنية ، وحال الفعل والعمل فالإخلاص في صفة الصادق موجود في العقد غير منسوب إلى الصدق إلا بوجود [ أوائل الإخلاص في باطنه ] وباق عليه علم موارد الأشياء عند ممارسة الفعل بالجوارح والتخلص لفعله عن عوارض أضداد الإخلاص حتى سمي مخلصا . فأول الإخلاص أن يفرد الله تعالى بالإرادة ، والثاني : أن يخلص الفعل من الآفة ، فالصدق الذي هو عند الخلق صدق ، فرق بينه وبين الإخلاص ، والصدق الذي عند الله تعالى هو الصدق مع الإخلاص ، وقد يقال : فلان صادق لما يرى عليه من صفات العلم وبذل المجهود منه ، ولا يقال فلان مخلص لغيبة الخلق عن علم إخلاصه ، فالصدق مشهود في صفة الصادق ، والإخلاص معدوم من مشهده ، فالصادق موصوف بحسن صفات شاهده ، منسوب إلى الصدق بدلائل ظاهره ، مع وجود أوائل الإخلاص في باطنه ، باق عليه علم موارد الأشياء عند وروده ، يقبل ما وافق الأول من معنى قصده ، ويرد ما خالف علم ظاهره ، فالإخلاص يعلو الصدق لوجود زيادة العلم ، مع وجود قوة الرد لما عارض عن

--> ( 1 ) - الأحزاب : 8 . ( 2 ) - المائدة : 119 .