الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
354
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
وقال صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا « 1 » ، وعلى هذا يتوجب فهم الآية الكريمة على غير المعنى الذي ذهب إليه المغرضون وهو أن الإنسان الذي أصرَّ على الكفر لا يتأثر بالمواعظ والإرشادات التي تأتيه من الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهو كالميت المتجمد المشرف على التمزق والبلى . احتجاجهم بحديث : لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد « 2 » . حيث زعم المنكرون أنه يدل على منع الزيارة لمقامات ومشاهد الصالحين ، نقول : والحق إنَّ هذا الحديث عند أهله من العلماء لا يدل على ما ذهبوا إليه إطلاقاً لا من بعيد ولا من قريب ، فالمعروف أنَّ الإثبات بعد النفي قصر وحصر يفيد التوكيد وإثارة الاهتمام ولا ينفي بالضرورة كل الأجناس المغايرة ، فمعنى الحديث : إن أولى ما تُشد إليه الرحال من المساجد وأفضلها هو شد الرحال إلى هذه المساجد الثلاثة ، ولا ينفي ذلك شد الرحال لغيرها . ومما يدلك على ذلك أن حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم قد شد الرحال لمسجد قباء ولزيارة مقبرة الشهداء في البقيع . وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار بعد فتح الشام : يا كعب : ألا تريد أن تأتي معنا إلى المدينة فت - زور سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك ، ولقد تقدمت قصة الصحابي الجليل بلال الحبشي رضي الله عنه وشده الرحال من الشام إلى المدينة لزيارة المصطف - ى صلى الله تعالى عليه وسلم إثر رؤيا رآها . وممن قال بهذا المعنى وأكدْه من أكابر علماء الأمة : قال الإمام أبو حامد الغزالي ( رحمه الله ) راداً على من يستدل بهذا الحديث على منع الزيارة ما نصه : « ما تبين لي أن الأمر كذلك ، بل الزيارة مأمور بها لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة « 3 » ، والحديث إنما ورد في
--> ( 1 ) - أخرجه مسلم والبخاري انظر القسطلاني ( 2 ) - صحيح مسلم ج : 4 ص : 2200 . ( 3 ) - صحيح البخاري ج : 1 ص : 398 .