الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
286
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
القابلة للفناء وتبقى الخصائص النورانية غير القابلة للفناء ، فلا يتأثر جثمان الذاكر بعد انتقاله إلى العالم الآخر ، ولا تنقطع روحه عن عالم الشهادة ، كما كانت في الدنيا غير منقطعة عن الآخرة ، فهو بنور المذكور يرى ، وإلى هذه الحقيقة أشار حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم حين قال : يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال « 1 » ، وعنها قال حضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره العزيز : « الذاكر لله جل جلاله أبداً حي ، ينتقل من حياة إلى حياة فلا موت له سوى لحظة » « 2 » . الذكر ومرتبة حياة القلب : الحي من كان قلبه حياً ، والميت من كان قلبه ميتاً ، وإلى هذه الحياة أشار الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه انه صلى الله تعالى عليه وسلم قال : مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت « 3 » . وفي مثل هذا التمثيل منقبة جليلة وفضيلة نبيلة للذاكر ، فإنه بما يقع منه من ذكر الله تعالى فهو في حياة طبيعية وروحية ( قلبية ) لما يغشاه من الأنوار والتجليات ، كما أن التارك للذكر وإن كان في حياة طبيعية ، فليس له اعتبار بل هو شبيه بالأموات الذين لا يفيض عليهم بشيء مما يفيض على الأحياء المشغولين بالطاعة لله عز وجل . الذكر ومرتبة اطمئنان القلب إن إلقاء نظرة سريعة على قوله تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 4 » ليكشف وبكل وضوح ما للذكر من أثر عظيم في القلب ، فمرتبة الاطمئنان تأتي بعد مرتبة الإيمان فهي أرقى منها ، ولهذا فإن نبي الله إبراهيم عليه السلام حين قال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
--> ( 1 ) - لم أجده في كتب الحديث . ( 2 ) - الشيخ عبد القادر الكيلاني الفتح الرباني والفيض الرحماني - ص 77 . ( 3 ) - فتح الباري ج : 11 ص : 210 . ( 4 ) - الرعد : 28