الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
161
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
فوصفها بأنها حذرة على أبنائها ، تذكرهم بالشرور ، وتهرب بهم منها ، وتزين لهم الخير وتشوقهم إليه ، فهي تسافر بهم ، وتحملهم من موطن الشر إلى موطن الخير ، وذلك لشدة مراقبتها إلى ما أنزل الله فيها من الأوامر الإلهية المسماة شرائع ، فتحب أن يقوم بها أبناؤها ليسعدوا ، فهذا صلى الله تعالى عليه وسلم قد وصفها بأحسن الصفات ، وجعلها محلًا للخيرات . فينبغي لأهل المراقبة أن يكون بدؤهم في الدخول لاكتساب هذه الصفة ، أن يرقبوا أحوال أمهم ، لأن الطفل لا يفتح عينيه إلا على أمه ، فلا يبصر غيرها فيحبها طبعاً ، ويميل إليها أكثر مما يميل إلى أبيه ، لأنه لا يعقل سوى من يربيه ، وبأفعالها ينبغي يقتدي . فإن قلت : فلمإذا تغار من الآخرة ؟ قلنا : لما كان الحكم لها وهي من الطاعة بهذه المثابة ، وليس للآخرة هنا سلطان ، والذي في الآخرة هو في الدنيا من اللذات والآلام . فالداران متساويتان ، فيصعب عليها أن يكون أبناؤها ينسبون إلى الآخرة ، وما ولدتهم ، ولا تعبت في تربيتهم . وبعد هذا كله ، فإن الناس نسبوا ما كانوا عليه من أحوال الشرور التي عيَّنها الشارع إلى الدنيا ، وهي أحوالهم ما هي أحوال الدنيا ، لأن الشر هو فعل المكلف ما هو الدنيا ، ونسبوا ما كانوا عليه من أحوال الخير ومرضات الله التي عينها الشارع للآخرة ، وهي أحوالهم ما هي أحوال الآخرة ، لأن الخير هو فعل المكلف ما هو الآخرة . فللدنيا أجر المصيبة التي أصيبت في أولادها ومن أولادها . فمن عرف الدنيا بهذه المثابة فقد عرفها ، ومن لم يعرفها ، بهذا المثابة وجهلها مع كونه فيها مشاهداً لأحوالها شرعاً وعقلًا ، فهو بالآخرة أجهل ، حيث ما ذاق لها طعماً . وهنا يطرأ غلط لأهل طريق الله في كشفهم ، إذ لو تيقنوا في هذه الدار وطولعوا بأحوال الآخرة ، فليست تلك الآخرة على الحقيقة ، وإنما هي الدنيا أظهرها الله لهم في عالم البرزخ بعين الكشف أو النوم في صورة ما جهلوه منها في اليقظة ، فإنهم غير عارفين منها ما ذكرناه فيقولون : رأينا الجنة والنار والقيامة ويذكرون الرؤيا التي رأوها ، وأين الدار من الدار ، وأين الاتساع من الاتساع . فذلك الذي رأوه حال الدنيا التي خلقها الله عليها من