الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
51
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
والانفصال ، فإن في الحسرة على ما فات استدراك ما هو آت . قال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم : ( إذا أراد اللَّه بعبد خيراً حبب إليه طاعاته وبغضه معاصيه ) « 1 » . قال أبو العباس : ولقد صحبت أبا يزيد [ البسطامي ] سنين فما رأيته نام منطرحاً إلا يسيراً ، وطالما صلى الصبح بطهارة العشاء ، غير أنه كان يتحسر على ما مضى من أيام وسالف اجتهاده . ث فأما الهوى فله أيضاً ثلاث منازل : أولها : الخضوع والهوان طمعاً في الرضا والرضوان ، فإن من طلب رضى الحبيب أكرم في المشهد والمغيب . قال أحمد بن يحيى : سُئلت أعرابية عن معنى الهوى فقالت : هو الهوان ، وإنما غلط باسمه ، ويعرف ما أقول من أبكته المعالم والطلول . وأنشدت : ليت الهوى لذوي الهوى لم يخلق * أرأيت قلباً بالهوى لم يعلق إن الذي علق الهوى بفؤاده * في ذلةٍ وتملق وتقلق إن الهوى لهو الهوان بعينه * ما ذاق طعم الذل من لم يعشق ثم ينتقل منها إلى منزلة بذل المهج في الطاعة ، وقتل النفس ولو في الساعة ، فإن علامة المحبة طاعة المحبوب ، وبذل المحبة في رضا المطلوب . روي أن أبا يزيد كان لا يخرج من مصلاه إلا لضرورة ، فسئل عن ذلك . فقال : رباع الأحباب محبوبة ، وأطلال الآمال مطلوبة ، وفيها يتضوع نسيم المحبوب ، ومنها ترتجى راحات القلوب . ثم ينتقل منها إلى منزلة الصبر والبكاء ، فمن صبر ظفر ، ومن باح استراح . سئل مالك بن دينار عن الطريق إلى رضى الحبيب . فقال : إن أول الأمر مبني على الصبر والبكاء ، ووسطه على الخوف والرجاء ، وآخره على التسليم والرضا ، ثم الحبيب يفعل ما يشاء .
--> ( 1 ) ورد بصيغ أخرى في صحيح ابن حبان ج 2 ص 54 ، ص 55 وغيرها ، أنظر فهرس الأحاديث .