الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
264
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
حدودا لمنع التخطي إلى ما ورائها « 1 » ، والحدود واردة في القرآن الكريم بهذا المعنى بقوله جلّ جلاله : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها ) « 2 » . ويستخدم الصوفية معنى الحد للفصل بين مقامي الربوبية والعبودية ، فعندما يتدرج السالكون في السلم الروحي ، ويفتح لهم ، ويكاشف بعضهم بالأسرار والحقائق ينبهر بنور اللَّه ، وعظمة اللَّه ، فيفنى عن ذاته ، ولا يبقى له إلا مشاهدة أنوار الحق فيشطح بعضهم بألفاظ يشتم منها رائحة الحلول والاتحاد والوحدة ، وهذا معناه أنه لا يفرق بين مقامه كعبد وبين مقام اللَّه كرب ، فيصيح في لذة سكره ، ( سبحاني ما أعظم شأني ) أو ( أنا الحق ) وهذا من علامات الولاية الناقصة ، لأنه لم يسكن في مقامه بعد ، ولم يفرق بين حدوده كإنسان ، وحدود اللَّه كإله ، وهذا ما حدث لبعض الصوفية من غير أهل التمكين ، إذ ترد لهم أحوال يفنون فيها عن ذواتهم ، ولا يشعرون إلا بجلال وقهر اللَّه ، وجمال اللَّه ، فينجذبوا إليه تعالى ويفقدوا إحساساتهم الظاهرة وتسلب عقولهم بما يشاهدونه ويعاينونه في وجدهم ، فيقام عليهم الحد الشرعي لأنهم خرجوا عن أحكام الشريعة ، بما صدر عنهم من شطحات ، لحظات سكرهم . والواقع أن هناك عذرا لهم في ذلك ، لأن الفاني عن نفسه لا يرى إلا الباقي ، وإن السالك في هذه الحالة ، لا يقوى على حمل هذه الأسرار الربانية ، والتجليات الرحمانية ، إلا إذا تولاه اللَّه بعنايته . أما الأنبياء ( عليهم السلام ) والأولياء الكمل ( رضوان اللَّه عليهم ) فإنهم بما وصلوا إليه من مقام ( التمكين ) لا تتغير أحوالهم ، وبذلك يفرقون بين حد العبودية ، وحد الربوبية ، فلا يقعوا في الخلط والالتباس ، وذلك لقربهم من اللَّه تعالى ، ومعرفتهم بأنواره يقينا وذلك لرسوخ مقاماتهم وكمالها » « 3 »
--> ( 1 ) معجم ألفاظ القرآن الكريم - ج 1 ص 240 . ( 2 ) البقرة : 187 . ( 3 ) د . حسن الشرقاوي - معجم ألفاظ الصوفية - ص 118 - 119 .