الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
268
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
اللَّه تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات ، كان موصوفاً بأنه العبد ، وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه ؛ لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ورأس المعارف ورئيسها معرفة اللَّه تعالى ، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة اللَّه تعالى ، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى اللَّه ، فكان أواباً ، فثبت أن كل من كان أواباً وجب أن يكون نعم العبد . ويقول القرآن المجيد في سورة ( ق ) : ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ . هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ . مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) « 1 » . فوعد اللَّه بالجنة يكون لكل راجع عن معصية اللَّه لطاعته ، وإذا ذكر اللَّه في الخلاء ذكر ذنوبه فستغفر منها ، وهو حفيظ على فرائض اللَّه وما استودعه من حقه ونعمته . ويقول الطبري في تفسير الآية : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : أن اللَّه تعالى ذكر وصف هذا التائب الأواب بأنه حفيظ ، ولم يخص به حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع ، فالواجب أن يعم كما عم جل ثناؤه ، فيقال : هو حفيظ لكل ما قربه من ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلفت منه للتوبة منها والاستغفار » . وقد ذكرت الآيات هنا أن الأواب من صفاته : أنه من خاف عقاب الذي وسعت رحمته كل شيء وهو غائب عنه لم يره ، وجاء في الآخرة بقلب راجع إليه تعالى . وقال الفخر الرازي في تفسير الأواب الحفيظ في الآية السابقة هذه العبارة : « والأواب الرجاع ، قيل : هو الذي يرجع من الذنوب ويستغفر ، والحفيظ الحافظ الذي يحفظ توبته من النقض . ويحتمل أن يقال : هو الرجاع إلى اللَّه بفكره ، والحفيظ الحافظ الذي يحفظ في ذكره ، أي يرجع إليه بالفكر ، فيرى كل شيء واقعاً به وموجوداً منه ، ثم انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء ، والأواب والحفيظ كلاهما من باب المبالغة ، أي يكون كثير الأوب شديد الحفظ .
--> ( 1 ) سورة ق : 31 - 33 .