الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
183
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
« حقيقة الأنس إنما تكون بالمناسب ، فمن يقول بالمناسبة يقول بالأنس بالله ، ومن يقول بارتفاع المناسبة يقول لا إنس بالله ولا وحشة منه » « 1 » . بعدما أغلق ابن عربي باب الأنس بالله لعدم ( المجانسة ) عاد وفتحه من جديد ( بالمناسبة ) وصار نفيه محصوراً بالاسم ( اللَّه ) من حيث أنه الاسم الجامع ، الذي لا يصح أن يكون لأحد من الخلق حكم حيثيته . إذن ، الأنس بالله ، مقبول عقلًا من حيث اسم من أسمائه الحسنى وليس من حيث الاسم الجامع ، يقول ابن عربي : « . . . إنه لا يصح الأنس بالله عند المحققين ، وإنما يكون الأنس باسم الهي خاص معين لا باسم اللَّه ، وهكذا جميع ما يكون من اللَّه لعباده ، لا يصح أن يكون من حكم اسم اللَّه ؛ لأنه الاسم الجامع لحقائق الأسماء الإلهية ، فلا يقع أمر لشخص معين في الكون إلا من اسم معين . . . » « 2 » . ثانياً : بعدما نفى الحاتمي الأنس ( بالله ) وحصره ( باسم من الأسماء الإلهية ) نجده هنا بوحي من وحدته الوجودية ، ينظر إلى كل ظاهر بعينه الموحدة التي لا ترى فيه إلا مجلى لذاك الأصل ، وصورة من صور تجليه ، بحيث يكون ( كل موجود هو مجلى من مجالي اللَّه ) تصبح هنا ( كل مأنوس به هو ذلك المجلى ) . إذن كل أنس بأي شيء هو في الواقع أنس بالله ؛ لأنه أنس بصورة من صور تجليه ، يقول الشيخ : « العالم كله ذو أنس بالله ، لكن بعضه لا يشعر أن الأنس الذي هو عليه هو بالله ؛ لأنه لا بد أن يجد أنساً بأمر ما بطريق الدوام ، أو بطريق الانتقال بأنس يجده بأمر آخر ، وليس لغير اللَّه في الأكوان حكم ، فأنسه لم يكن بالله ، وإن كان لا يعلم ، والذي ينظر فيه أنه أنس به فذلك صورة من صور تجليه ، ولكن قد يعرف ، وقد ينكر فيستوحش العبد من عين ما أنس به وهو لا يشعر لاختلاف الصور ، فما فقد أحد الأنس بالله ولا استوحش أحد إلا من اللَّه . . . » « 3 » . . « 4 »
--> ( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 541 . ( 2 ) المصدر نفسه - ج 2 ص 541 . ( 3 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 541 . ( 4 ) د . سعاد الحكيم - المعجم الصوفي - ص 147 - 149 ( بتصرف ) .