الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

88

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) « 1 » ، ولا شك أن كلمة الشيء المشار إليها في الآية الكريمة تعم الكافة التي أرسل إليها النور المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام من إنس وجن وملك وشجر وحجر وما نبصر وما لا نبصر ، من أول الخلق أي قبل تجسد النور بصورة النبي محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم وإلى آخره أي إلى ما بعد انتقاله ورجوعه إلى حقيقته المطلقة . فما سَبّحت ولا سَبَحت الذرات - وهي الأصل الحسي للموجودات - إلا من إيمان قام بذاتها وإلا فكيف يُسَبِّح من لا يؤمن ؟ وهذا أمر ما اختلف عليه من علماء الرسوم اثنان فضلًا عن أهل الكشف والعيان . إن هذا الإيمان الذي قامت به وعلية بنية الكون ( الذرات ) إن هو إلا مقدارٌ من ضياءات النور المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام نزل في كل ذرة بما يناسبها فأنارها بالوجود من ظلمة العدم وأمدها بالقوة لتسبح في أفلاكها بنظام دقيق ، ونورها بنوع التسبيح الخاص بها وبما يتناسب وخواصها في الوجود وقد أشار الحق إلى ذلك بقوله : ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) « 2 » . إن هذا النور الذي أمد الكون والكائنات بالإيجاد والإمداد هو مما عجز علماء الطبيعة - كعادتهم في هكذا أمور - عن تحديد ماهيته فسموه بالطاقة أو القوة أو غيرها من المصطلحات العلمية ووضعوا النظريات حوله إلا انهم جميعاً أقروا بأن كل ما وضعوه أو قالوه إنما هو مجرد كلام وأن السر في حركة الذرات لم يكشف حجابه العلم المادي ؛ لأنه حسبما قالوا : غير خاضع لمعطيات التجارب المعملية والتي تقتضي أشياء ملموسة محسوسة ، فآعترف الماديون بعجزهم وفقرهم أمام الجانب الروحي في الكون . إذ في كل ذرة من ذرات الوجود يوجد حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم بنوره وما يتناسب وكل ذرة ، على افتراض أن الذرة أصغر شيء في عالم المادة . وبوجوده صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، هذا آمن الكون ودار في أفلاكه مسبحاً الحق سبحانه وتعالى .

--> ( 1 ) الإسراء : 44 . ( 2 ) النور : 41 .