الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
89
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
ولكن أين النص الذي يثبت أن الإيمان هو محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم وانهما حقيقة نورانية واحدة ؟ لنستمع معاً إلى قوله تعالى : ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) « 1 » ، فقال سبحانه وتعالى عن الكتاب والإيمان جعلناه نوراً ولم يقل جعلناهما وهو صريح في كون الكتاب عين الإيمان والإيمان هو الكتاب بلا فرق ، ولما كان الكتاب هو محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ومحمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم هو الكتاب لقوله تعالى : ( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ) « 2 » ، فلم يقل يهدي بهما لأنهما حقيقة واحدة ، فإن محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم هو الإيمان والإيمان هو محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ( بالاستعاضة كما يقول أهل المنطق ) . ويجدر أن نوضح أمراً هنا وهو أن الإيمان موجود بكامله في كل شيء ؛ لأن النور المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وان امتدت منه ضياءات بطريقة روحية إلى ذوات الأشياء إلا أنه لا ينقسم ولا يتجزأ فهو كل في كل إلا إن آثاره تظهر بنسب متباينة في الأشياء تبعاً لاستعداد وقابلية كل شيء ، وبمعنى آخر : إن الإيمان أو محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم هو نور تظهر تجلياته بحسب ما يستعد الموجود لظهور تلك التجليات ، ولقد كرم المولى سبحانه وتعالى بني آدم فجعل فيه إمكانية الترقي لظهور كافة التجليات النورانية خلافاً لغيره من الكائنات وإلى هذا أشار الحق تعالى في قوله : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) « 3 » أي ألهمه الاستعداد لظهور كافة مراتب الإيمان وتجلياته ، ومن وصل إلى هذه المرتبة سمي بالإنسان الكامل ؛ لأنه تأهل للفناء في النور المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وذلك حين استعد لظهور كافة تجلياته وآثاره من خلاله .
--> ( 1 ) الشورى : 52 . ( 2 ) المائدة : 15 - 16 . ( 3 ) البقرة : 31 .